ابحث هنا

لماذا يلجأ الكتاب الى جعل كتاباتهم غامضة، ومستعصية على الفهم ؟

قد يطرأ على البال سؤال: لماذا يلجأ البعض إلى الغموض كتقنية في كتاباتهم؟

مشكلة الغموض البنيوي

أحياناً ما يواجه قرّاء الكتب المترجمة عن لغات أخرى نصوصاً مبهمة المعاني وأخرى تحتملُ معانٍ عدّة. قد يعزون ذلك إلى رداءة الترجمة فحسب، لكنّ ذلك ليس السبب الوحيد، فأحياناً تتسبب رداءة النصّ الأصليّ وغموضه المتعمَّد في تعويص النصّ. إذ يلجأ بعض الكتّاب للغموض لأنهم يريدون أن يذعن القارئ لأفكارهم المتخفّية خلف الأسلوب الاستعلائي. فإنّ القارئ العادي -غير المتمكّن أو الناقد- قد يُؤخذ بغموض الخطاب ولغته المتحذلقة ظنّاً أنهما ينمّان عن فكر فذّ بعيد عن فهمه.

غموض النص المترجم، هل ظهر حديثاً ؟

يعدّ النزوع إلى الغموض البنيوي في النصوص المعرفية ظاهرة معرفيّة متوغّلة في القِدَم بين أوساط المثقفين والمؤلفين والفلاسفة حول العالم؛ منذ أيام أفلاطون وحتى اليوم، وإن كنّا نلاحظها أكثر ما نلاحظها في النصوص المترجمة عن لغات أخرى. يمكننا أن نضرب مثالاً واضحاً على فئة تمتاز أعمالهم بالغموض؛ ألا وهم الحداثيين العرب. فقد تفننوا وأبدعوا؛ ما بين إنتاج أعمال فكرية مثقلة بالمصطلحات الاستعراضية الخاصة بكلٍ منهم، وبشكلٍ ربما يخالف قواعد اللغة وبلاغتها. ليس لشيء سوى إحداث رهبة فكريّة في ذهن المتلقّي وبثّ روح الهزيمة الثقافية مقابل المصطلحات غير المألوفة في لسان العرب. ويقصد باستعمالنا لفظة ((الحداثيين)): “مجموعة الكُتّاب المعاصرين الذين يشتركون في تبني عدة أفكار مثل: العقلانية، والعلمانية، ونسبية الحقيقة، ونزع القداسة، والتاريخية، والدعوة للقطيعة مع الماضي، وتجاوز ما قرَّرَه السابقون، وفتح باب التأويل، وإعادة فهم النصوص فهمًا جديدًا، واستحداث مناهج جديدة للتعامل مع التراث ونصوص القرآن والسُّنة، مأخوذة في الغالب من تراث الغرب النقدي.”(1) ويعدّ الفيلسوف الألماني هيجل (تـ1831م) أشهر من غالى في الغموض حتى إنّ أعماله لا تزال تتناول في البحث والتفسيره حتى اليوم، وإذا ما حدَّقنا النظر في التراث الغربي، نجد برتراند راسل (تـ1970م) يذكرأن كتابات هيجل من أصعب المؤلفات في النتاج الفلسفي بأكمله، ويصف أسلوبه في الكتابة بالثقيل والرديء بسبب ذلك «الغموض الذي يغلب عليها».(2)

قد يطرأ على البال سؤال: لماذا يلجأ البعض إلى الغموض كتقنية في كتاباتهم؟

أشار الشيخ إبراهيم السكران في كتابه (مآلات الخطاب المدني) إلى نبذة عن الإجابة قائلاً: “من المهم أن يستوعب المتطلّع للفكر والثقافة أن الغموض غالباً هو ((استراتيجية كتابية))، فتعويص النصّ على قارئه وصناعته بصورة مستغلقة، يراد به إرهاب القارئ وبثّ المهابة في نفسه.”(3) لكنّها ليست الإجابة الوحيدة، فللإمام الماورديّ (تـ450هـ) رأيٌ آخر؛ بأنه نوع من تحصيل التعظيم وجلب التفخيم للكاتب في نفوس القرّاء، فيقول: “وعلة ذلك أن المحجوب عن الأفهام كالمحجوب عن الأبصار فيما يحصل له في النفوس من التعظيم، وفي القلوب من التفخيم، وما ظهر منها ولم يحتجب هان واسترذل..”(4)

يذهب آخرون إلى أنّ الغموض في الأعمال الفكرية والفلسفية له وظيفة أخرى، وهي التعميّة على الثغرات إذا استعصى على الكاتب إيجاد براهين لكلامه، فعند انعدام الدليل والبرهان العقلي والمقنع يلجأ الفيلسوف لِحَبكِ جُمَل غامضة تلتبس في تفكيكها الأفهام، وذلك من أجل البقاء في مأمن عن نقد القارئ. إذ بالغموض المتعمّد لن يتمكّن القارئ من إثبات نظرته النقدية ولا ردّ الرأي على صاحبه. وهذا رأي أستاذ الفلسفة الأمريكيّ سترومبرج (تـ2004م) حيث يقول في تحليل كتابات ماركس المبهمة:”من الواضح أن معرفة ماركس بتاريخ الفكر والفعل البشريين أقلّ بكثير من أن تساند عمومياته الجريئة، ولذلك انعطف إلى استعمال لغة غامضة، بغية إخفاء بعض المشاكل العلمية أو القضايا الصعبة.”(5) وكذلك ويتفق معه في الرأي ميشيل فوكو ناقداً طرح جاك دريدا المبهم لأفكاره، إذ يعبّر عنه بـ(إرهاب الغموض) (Terroriste obscurantisme)؛ يلجأ إليه دريدا كي يظلّ في معزل عن أي نقد يتعرّ لفلسفته، فقبع خلف ذلك الغموض ويردّ على كلّ الانتقادات الموجهة إليه بجملة واحدة فحسب: Tu ne pas compris “أنت لا تفهم”. وهي عبارة كفيلة بأن تُشعر الآخرين مهما كان مستواهم العلميّ أنهم عاجزين عن إدراك ما يتحدث عنه هذا الفيلسوف العميق، وبالتالي لا مجال لمناقشته أو انتقاده.(6)

خلاصة القول: إن الغموض لا ينمّ سوى عن سطحيةٍ وسذاجة! وكما يقول المفكّر الفيلسوف الاسترالي بيتر سينجر عن هيجل:”البعض اتهم هيجل بأنّه دجّال يستر الأفكار الفارغة بالعبارات الغامضة المقصودة بهدف إلقاء مسحة عمق عليها.”(7)

بيتر سينجر

معانات القارئ مع النصوص الغامضة

نتيجةً لغموض النصوص الفكرية والفلسفية أصبح كلٌ مِن القارئ العادي والمترجم والباحث يواجهون معضلة التعدد الدلالي أو انتشار المعنى واختلاف الفهم والنقل للنصّ الواحد! فترى القارئ يعيد قراء النصّ لعلّه يظفر بخلاصته، أو يتماهى في جلد ذاته على قلّة الفهم والثقافة، أو ينبهر بما يقرأ ويتعلّق بغموض النص ظنّاً بعمقه. وترى المترجم متشظٍ بين المعاجم والكتب، يعيد ترتيب النص والجملة الأصلية، يصيغها ويعيد صياغتها بكل احتمالاتها فلا تنتج إلا على معانٍ مختلفة، ثم ينتهي به الحال بنصّ رديء البنية والمعنى. وترى الباحث حائراً في نصوص المؤلف حول فكرة واحدة تناقض نفسها وتفهم بغير ما يمكن استخلاص نتائج منه. وهنا قد يطرأ سؤال آخر على ذهن كلٍ منهم.

ما مصدر غموض النصوص التي بين أيدينا، ألا نفهمها بسبب رداءة أفهامنا، أم لضعف قدراتنا؟

الحقيقة، ليست ذا ولا ذاك.. بل يكاد المصدر أن يكون واحداً مهما اختلفت الأحوال والنصوص: ألا وهو التعقيدات المعنويّة التي ركبت بها الجمل وقلّة البلاغة والبُلغة في فهم العلم الذي يكتب حوله مؤلف النصّ، والأمر لا يختصّ بلغةٍ دون أخرى. كمحاولةٍ لتفكيك ذلك، فلنسترجع أولى دروس البلاغة؛ إنّ الجملة اللغوية البسيطة تتكوّن من مُسنَد ومُسنَد إليه؛ أو كلمة تقدّم تصوّراً وأخرى ترتبط بها وتقدّم حكماً عليه. وإنّ أحد شروط الفصاحة؛ أن يسلم التركيب من التعقيد بنوعيه اللفظيّ والمعنويّ.(8) وفي حالة الغموض والالتباس التي نتناولها، كثيراً ما تركّب الجمل على النحو التالي: من مُسنَد يحتمل دلالات لمعانٍ عديدة، ومسند إليه يحتمل دلالاتٍ لمعانٍ عديدة.. وينتج نصّ كلّ جملة فيه تفضي لاحتمالات مفاهميّة انتهينا بحمل الجملة ككلّ على تفسيرات كثيرة محتملة!

فلنقدّم مثالاً عملياً على جملة تحتمل عدة دلالات، يقول هيجل: “يحافظ الوعي اللامتبادل في تشكّله نفسه على الطبيعة والأساس اللذين للكون المنفصم.”(9)

هيجل

تقدّم هذه الجملة موضوعاً وهو (الوعي اللامتبادل) وحُكماً وهو أنه يحافظ على الطبيعة التي لـ(الكون المنفصم)، وهنا يرد على ذهن القارئ عدة احتمالات لمعنى الوعي اللامتبادل؛ فهل يعني المؤلف بذلك الإصطلاح أشياء يعيها الإنسان وتبقى في حالة مقاومة للتغيّر والتبدل؟ أم أراد به الإشارة إلى عناصر فطرية في وعي الإنسان لا تتغيّر، أم أراد به امراً آخر؟ والأمر نفسه ينطبق على الجزء الثاني من الجملة، فهل أراد بـ (الكون المنفصم) العالم الذي انفصل عنّا فلا نراه؟ أم يعني نظرة الذهن للعالم المنفصلة عن الواقع، أم أمراً غيرهما؟(10) فإذا كانت هذه حال كامل المقال أو الكتاب، سيدخل القارئ في متاهة الاحتمالات الدلالية، ولن يخرج سوى بقليل فائدة وكثير حسرة على إضاعة الوقت والجهد.

وعلى ذكر أزمة احتمالات الدلالات اللفظية، فإنّ من طرائف ذلك في باب الترجمة ما تطرّق له إبراهيم السكران في كتابه (مآلات الخطاب المدني):

“أن المفكّر المغربي عبدالله العروي كتب كتابه (الآيدولوجيا العربية المعاصرة) عام (1967م) باللغة الفرنسية، ثم ترجمه محمد عيتاني للعربيّة عام (1970م) بتنسيق مع المؤلف. وكان العجيب حقاً أنّ العروي اعترف -وهو المؤلف- انه لم يفهم الترجمة العربية لكتابه! وأنها طلاسم لم يستطع استيعابها، حيث قال عن بعض المقاطع المترجمة: “هذه ألغاز لا أجد سبيلاً لحلّها، مع أني كتبت الأصل، فكيف استطاع غيري أن يفهمها؟!””
باختصار وتصرُّف.

صفوة القول وخلاصته؛ إنّ غموض أي نص -تحديداً فكري أو فلسفي- ليس بمحض الصدفة غالباً ولا يدلّ على أي نباهة تتخفى تحت أستار الغموض. فإنّه “ليست هناك فكرة أدبية أو فلسفية أو علمية مهما يكن حظها من التعقيد والعمق والدقة، إلّا ونستطيع ملامستها ومجاذبتها والتعبير عنها بلغة مفهومة وإيصالها إلى عقل القارئ.”(11) فإنّ أي مؤلّف يستعلي على القارئ بعرض (عُقده) لغوياً ومعنوياً ويستتر بالغموض على أنه أفهم أهل زمانه وأعمقهم فكراً؛ لهو كاتب غير جدير بالثقة. وحول هذه الفكرة يتحدّث الفيلسوف النمساوي لودفيج فتجنشتين (تـ1951م): “إن كل ما يمكن التفكير فيه على الإطلاق، يمكن التفكير فيه بوضوح، وكل ما يمكن أن يقال، يمكن قوله بوضوح.”(12)


المراجع:

(1): انظر: أحمد قوشتي، «موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي؛ عرض ونقد»، الطبعة الأولى (1437هـ-2016م)، مركز التأصيل للدراسات، جدة، (ص7) بتصرف يسير.

(2):رسل، «حكمة الغرب»، ترجمة: فؤاد زكريا، د.ط، إصدار (62، 72)، ضمن إصدارات سلسلة عالم المعرفة، (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1983م)، (2/130).

(3): انظر: السكران، إبراهيم بن عمر، «مآلات الخطاب المدني»، ط1، (مركز الفكر المعاصر، نشر دار الوعي، الرياض، 1435هـ)، (ص240، وما بعدها)، فقد كتب فصلا  بعنوان «سلطة الغموض».

(4): انظر: الماوردي، «أدب الدنيا والدين»، (ص61).

(5): سترومبيرج، «تاريخ الفكر الأوروبي»، ترجمة: الشيباني، دار القارئ العربي، الطبعة الثالثة، (1994)، (ص446).

(6): Alothaim, A. (2019, October 29). الفلسفة العربية في العُصُور الوسطى / ترجمة: بشار الزبيدي. مجلة حكمة. استرجع بتاريخ ديسمبر، 20 2022، من:

الفلسفة العربية في العُصُور الوسطى / ترجمة: بشار الزبيدي

(7): Singer, ‘Hegel’ in: The Philosophers: Introducing Great Western Thinkers, Honderich (ed,) Oxford University Press, 2001, p. 132.

(8): علي الجارم ومصطفى أمين، «البلاغة الواضحة»، ط1، دار الإبداع.

(9): هيجل، «فينومينولوجيا الروح»، ترجمة ناجي العونلي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة العربية، (2006م)، (ص291).

(10): انظر: السكران، إبراهيم بن عمر، «مآلات الخطاب المدني»، ط1، (مركز الفكر المعاصر، نشر دار الوعي، الرياض، 1435هـ)، (ص256)، فصل بعنوان «سلطة الغموض». وقد استعنت بشرحه لمقولة هيجل.

(11): فواز حداد، المترجم الخائن، رياض الريّس ط1 (2008م) (ص287).

(12): لودفيج فتجنشتين: بحوث فلسفية، ت: د. عزمي إسلام، الكويت، 1990، ص107، فقرة 111.

مصادر أخرى:

تقنيات الحداثيين: الغموض أنموذجًا: مركز سلف للبحوث والدراسات. مركز سلف للبحوث والدراسات | مركزُ بحثيّ قيد الإنشاء يشرف عليه د. محمد بن إبراهيم السعيدي. (2022, February 7). استرجع بتاريخ ديسمبر 20, 2022, من:

تقنيات الحداثيين | الغموض أنموذجًا

شاركنا رأيك

اقرأ أكثر:

كيف نبني لأدمغتنا قدرات عالية؟

لنلعب! الكلمة المبهجة التي تزيح عنا جدية الحياة، تثير حماسنا وضحكاتنا “الا إن كان لديكم أخ تنافسي يخرب عليكم الجمعة” عدا عن ذلك نحن سعداء...

المشروع الشخصي في شهر رمضان

عادة ما يجعل الناس من رمضان شهرًا للتغيير فيستعدون له أجلّ استعداد ويجعلونه مضمارًا للسباق بين الميادين الدينية والدنيوية، وذلك من فضل الله أن جعل...