ابحث هنا

لماذا لا تقنعنا الحقائق؟

يقول ليو تولستوي: “يمكن شرح أصعب المسائل لأحمق الناس في حال لم يكن قد شكّل تصورًا سابقاً عنها، في حين يستحيل شرح أبسط المسائل للذكيّ المعتدّ بأنه يعرف عنها بما فيه الكفاية.”

تشكّل القناعات الخاطئة

يحتاج الناس إلى تشكيل وجهات نظر واقعية وحقيقية للعالم كي يستمروا بالحياة على هذه الأرض. وإلّا؛ فإنّ اتخاذ القرارات الصحيحة لتسيير الحياة اليومية سيكون جهاداً لمن يتبنى رؤية نموذجية مثالية وغير واقعية. 

ومع ذلك، فإنّ الواقعية والحقيقة ليسا أهمّ احتياجات العقل البشريّ، إذ يحتاج الناس أيضاً للشعور بالانتماء ضمن أهمّ احتياجاته النفسيّة. فهذا الكائن الاجتماعيّ بحاجة للترابط مع الآخرين واكتساب احترامهم والشعور بتقبّل الأقران له ودعمهم.

تنشأ المشكلة عندما تتعارض كلتا الحاجتين: معرفة الحقيقة والانتماء ضمن المجموعة. ففي معظم الظروف تطغى أهميّة تشكيل الروابط الاجتماعية على فهم حقيقة او فكرة ما. أو كما يصوغها عالم النفس ستيفن بينكر: “يتم تقبّل الناس أو الحكم عليهم وفقاً لمعتقداتهم، فلذلك قد تكون أحد مهامّ العقل هي حماية نفسه من خلال التمسّك بالمعتقدات والتقاليد التي ستحيطه بأكبر عدد ممكن من الحُلفاء، بدلاً من التمسّك بالمعتقدات الصحيحة.”

تبنّي المعتقدات الخاطئة قد يكون مفيداً على النطاق الاجتماعي، حتى وإن كانت غير واقعية او حقيقية أحياناً. تذكّر مثلاً كيف أمسكت لسانك عن مجادلة أحد كبار السنّ حينما وبّخك على أمرٍ تعتبرُه عادياً بنظرك، أو كيف أشَحت بوجهك حينما استفزّك أحد اخوتك. الخبر السارّ أن هذا الأسلوب مفيد ليس للحفاظ على الروابط الاجتماعية فحسب بل ويمنحنا طريقةً مُجدية لتغيير آراء الآخرين.

الحقائق لا تغيّر القناعات، في حين أنّ الصداقة تفعل!

تبدو أحياناً عملية إقناع شخص ما بتغيير قناعاته أشبه بعمليّة إقناعه بتغيير قبيلته. فإذا تخلّى عن قناعاته، قد يخاطر بمكانته الاجتماعية. وبالمثل، لا تتوقع أن تتغيّر قناعات أحدهم إن كان سيفقد بسبب ذلك انتماءَه إلى مجتمعه.

السبيل الأمثل لتغيير قناعات الناس وآرائهم هي بأن تصبح صديقاً لهم، او على الأقل تضمّهم إلى دائرتك الاجتماعية. بهذه الطريقة ستنجح بإقناعهم بآرائك دون أن تهدد استقرارهم الاجتماعي.

لا عجب إذاً بأن تتأتى الأوامر الإلهية في الكتاب والسنّة على أهمية انتقاء الصحبة الصالحة، بل والاصطبار على مصاحبتهم حفاظاً على العقيدة السليمة والسلوك المثيل، كما حثّت على الحذر من جليس السوء. ففي القرآن قوله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا.” -الكهف: 28.

وفي السنّة النبوية جاء عن أبي موسى الأشعريّ -رضي الله عنه-: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ؛ لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً.” -متفقٌ عليه.

لماذا تعيش الأفكار الخاطئة طويلاً؟

من أهمّ الأسباب لبقاء الأفكار السيئة في هذا العالم وانتشارها هو استمرار الناس بالحديث عنها. وعلى النقيض تماماً؛ إنّ الصمت بمثابة مقبرة للأفكار؛ فأيّما فكرة تخطر ببال إنسان ما، ستتلاشى تدريجياً حتى تفنى ما لَم تدوَّن ولم تُشارَك. كما أنّ استذكار أي فكرة أو قضية أو رأي يزيدها أُلفةَ وانتشاراً، بل وقابليةً للتصديق -مهما كانت غير منطقية أو معاكسة للسائد-! وهكذا، فإنّ الناس بشكواهم من انتشار الإشاعات أو المغالطات أو الأفكار الشريرة؛ يمنحونها فرصاً لا نهائية من الاستذكار ويمدّون نطاق انتشارها أوسع مما قد يخطر ببالهم. بالطبع، لن تندثر وتنسى طالما أنها تتردد على الألسنة.

ثمّة ظاهرة في علم النفس تختصر تلك الدورة، تسمّى “تأثير التعرض المحض”؛ وهي ظاهرة نفسية لوحظ من خلالها أن تعرّض الكائنات الحيّة -والبشر خصوصاً- لحافز جديد يثير في البداية غريزة الخوف والتجنب. وعند كل تعرض آخر لهذا الحافز الجديد، تقل غريزة الخوف شيئًا فشيئًا، وبعد التعرض المتكرر، يبدأ الكائن الحي بالاهتمام الشديد لهذا الحافز. الأمر نفسه ينطبق على الأفكار؛ فقد تتناول بدايةً من باب النقد أو الكراهية، ثم تصبح مألوفة، ثم مستساغة، ثم محببة، حتى يوقن بها من كان يعيبها! ويحضرني أيضاً قول عن عمر رضي الله عنه، إذ يقول: “إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يُمِيتُونَ الْبَاطِلَ بِهَجْرِهِ، وَيُحْيُونَ الْحَقَّ بِذِكْرِه.” -الحلية، (1/ 55).

إذا أردتَ تغيير معتقد سيء، فازرعه بدلاً منه آخر صالحاً. دافع عن الأفكار الخلّاقة، تحدّث عنها، انشرها، شاركها، عشها.. افعل ما سبق، يفنى كُل فكرٍ رديئٍ يعاكسها. وكُن لطيفاً وودوداً، كي يتقبّل منك الغير فكرتك -حتى لو عاكست بها أفكارهم- وبالتالي؛ ستنال أفكارك حظّها من الانتباه.


 

شاركنا رأيك

اقرأ أكثر:

الصحافة في مصر أداة النهضة

كانت مصر من الدول العربية الأولى التي أدخلت الصحافة إلى نسيجها، وخلال فترة من الزمن وسلاسل من التحديات استطاعت تحويل الأداة التي جاء بها المستعمر...

تلخيص كتاب: إغاثة اللهفان

الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت القلب الصحيح: وهو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال الله تعالى:...

عراقيات: ليلةُ سائق

كسائقٍ سابقٍ لأحدِ شركات سيارات الأجرة أستطيع أن أقولَ إني عرفتُ الكثير عن الكثيرِ ممن لا أعرفهم، لكن إن سألتني عن إن كانَ أيّ منها قد حفرَ مكانهُ في...

الروائح، شقيقةُ الشهيق

تتمشى في الأسواق التقليدية الشعبية القديمة فتجتاحُ أنفك أنواع الروائح المختلفة، من البهارات وروائح الأقمشة المنبعثة محال الخياطة، ورائحة الجلود من...

تعوّد أن لا تتعوّد

كنتُ أتصفحُ موقعاً لوصفات الأطعمة الصحية، مررتُ على وصفات تتضمن الفاصولياء الخضراء كمكوّن أساسي فيها، تفاجأت بأن هنالك أعداداً لا نهائية من الوصفات...

عراقيات: صوتُ المِروحة

ها أنا جالسة بين جمعٍ من النساء اللاتي لا أعرف الغالب منهن، علا صوت بكائهن، أكادُ أجزم بأني أسمع فقط لا أرى، لا أستطيع التركيز ولا أنوي ذلك. بين...

%d bloggers like this:
Verified by MonsterInsights