ابحث هنا

القمر من طور التبجيل لطور الشعر

منذ أن خلق الله الإنسان على وجه الأرض، اّتجه عقله إلى الظواهر الطبيعية المحيطة به، فوقف متأملا حائًرا في مظاهر الكون العجيبة محاولًا تفسيرها،فرفع رأسه إلى السماء ـ باعتبارها مركًزا ومصدراً لإلهامه – مراقبًا حركة أجرامها ، وسير شمسها وقمرها، وتتابع ليلها ونهارها، فشكلت لديه إحساسًا عميقًا بوقوفه أمامها ضعيفًا عاجزًا عن التحكم بها، و باعتقاده أنها تسيطر على مجريات حياته بخيرها وشرها، تنامى عنده الشعور بالتصاغر والضعف أمامها، فهي تساوره، وتسيطر على مشاعره، وبتلك انبثقت الأديان من هذا الشعور

فُعبد الشمس والقمر والُّزهرة وبقية الكواكب الأخرى، و تربع القمر على رأس هذه المعبودات وبلغت هذه العبادة درجة التعظيم ومنها انبثقت عبادة الثالوث(الشمس والقمر والزهرة) وجعلوا له رموزًا تعبر عنها “

عبادة القمر في الحضارات القديمة

السومريون يرمزون للإله” نانا” إله القمر” بهلال وسطه نجمة ذات اثني عشر شعاعًا، ستة من الأشعة على شكل مدبب، و الأخرى على شكل شريط شعاعي مكون من ثلاثة خطوط والعدد الرمزي للإله نانا هو “30” يشير إلى أيام الشهر الذي يقاس به دورة القمر الشهرية ، ويشير إلى فكرة كونه مصدرًا للتاريخ والزمن

فكما هو معروف أن القمر يظهر بأطوار مختلفة، فيكون هلاًلا ومن ثم قمرًا وأخيرًا في المحاق ،وهي ظواهر طبيعية وظفها الإنسان منذ أقدم العصور، في تحديد التقويم الشهري ثم السنوي.

وحذا البابليون حذو السومريين في عبادتهم للقمر، فسموه “سين”، وفي ذلك دلالة على أن الميثولوجيا القمرية العراقية كانت حجر الزاوية الذي قامت عليها الميثولوجيا القمرية العالمية القديمة . فسار الفينيقيون على خطى الرافدين في عبادتهم لمظاهر الطبيعية وقد بدا تأثير الديانة العراقية جليًا في ديانة المصريين القدماء، لا سيما فكرة المشابهة بين الأجرام السماوية والعائلة البشرية، فقد شابهوا بين السماء بأجرامها السماوية وبين العائلة البشرية على الأرض، فالأسرة تتكون من أب وأم وأبناء لهما، ، حيث تشابه مع الثالوث في بلاد الرافدين الذي مثّل القمر فيها دور الأب، والشمس دور الأم، بينما مثلت الزهرة دور الابن لهم.

ومن أماكنهم المقدسة، التي اقترنت بالقمر جبل سيناء، الذي ذٌكر في التوراة بإسم «برية سيناء» أي برية إله القمر، كما ذكرت جباله بجبال سيناء أو جبال الله، وأقسم الله به في القرآن في سورة التين (وطور سينين ) وهو جبل سيناء الذي ناجى عنده موسى عليه السلام.

عبادة الكواكب عند العرب

أما العربي جوّاب الصحاري والقفار احتل القمر التأثير الأكبر في حياته، فهو يضيء مضارب أقدامه في رحاله الموحشة راميًا أشعته الفضية إلى قلب الصحراء، حيث تمتزج رمالها الذهبية وتنعكس في نفس العربي أنوارًا للطمأنينة، إذ يحدو الإبل في الّليالي الصحراوية المخيفة. ولعل هذا التأثير كان من الأسباب الرئيسة الكامنة في اكتسابه بُعدًا دينيًا مهمًا، تمثّل في عبادته وتقديسه . فانتشرت عند العرب كغيرهم من الشعوب السامية، عبادة القمر والنجوم، وكان الموقع الجغرافي، والتبادل التجاري، بالإضافة إلى الأهمية الدينية للكعبة التي كانت قبلة كثير من القبائل المجاورة، من العوامل الأساسية التي ساعدت على انتشارها بينهم

ولما للعرب من علمٍ زاخرٍ بالكواكب والنجوم، ومواقعها وأنواعها، بحكم معيشتهم وما تفرضه عليهم من معرفة بعالم الفلك، فقد عبدت طائفة منهم الكواكب والنجوم كالشمس والقمر والزهرة، وكواكب أخرى كالدبران والعيوق والثريا والشعرى والمرزم وعطاء وسهيل، فكنانة كانت تعبد القمر والدبران، وجرهم كانت تسجد للمشتري، وطيء عبدت الثريا والمرزم وسهيل، وبعض قبائل ربيعة عبدت المرزم، وطائفة من تميم عبدت الدبران، وبعض قبائل لخم وخزاعة وقريش عبدت الشعرى العبور. ومنهم من بقي على دين إبراهيم وظلوا موحدين حنفاء وهم النخبة ومنهم من لم يتبع أي دين ظل مرتقبًا دينًا يبعث.

و بدا للقمر بعداً جماليا وحسيا وفنيا لحياة العربي المعتمدة على التنقل والترحال والصيد والرعي والتي لا تتم غالبًا إلا في الليل، فهو أنيسهم في السمر وهاديهم في السير ومزيل عنهم وحشة القفر. وُعرف عندهم بأسماء عديدة، مثل: ورخ وسين وشهر، وأشهر هذه الأسماء التي ُعرف بها هو شهر، يقول ابن منظور: “الشهر هو القمر, ُسمي بذلك لشهرته وظهوره, وقيل إذا ظهر وقارب الكمال”. ظل اسم شهر متداوًلا إلى يومنا هذا، ليدلل على الثلاثين يومًا التي يقطعها من ظهوره حتى اختفائه وتأثر بعض العرب بمن حولهم، فلم يكن مجمع الآلهة الجاهلي بمعزل عن آلهة الحضارات المجاورة، إذ نقلوا إليه كثير ًا من آلهتهم، لا سيما الآلهة اليمنية، إله القمر “ود” (إله معين الرسمي) ، وقد عمت عبادته جميع أنحاء الجزيرة العربية حتى مجيء الإسلام

بمراقبة الجاهلي للعالم الفلكي ،لاحظ حركة الثالوث الكوكبي، مما دفعه إلى الاعتقاد بفكرة زواج القمر والشمس، ففي سير القمر في السماء كل شهر، وجد أنه يمشي مسرعًا في سيره بخلاف الشمس، حتى إذا ما جاء وقت النقصان استطاع أن يلحق بها، وفي الوقت نفسه يأخذ في الاختفاء تدريجيًا، حتى يغيب بعد أن يلحق بها ثلاث لياٍل، ويظهر بعدها هلاًلا ثانيًا، ومن ثم يأخذ في الزيادة ثانيًة، ويبتعد عنها، ففي تحركاته من قرب أو بعد منها، واختفاؤه ثلاث لياٍل شهريًا حملهم على اعتقاد أن ذلك زواج سماوي، وأبطل القرآن الكريم ما كانوا يعتقدون حول هذه الظواهر، قال تعالى:

(لا الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)

وجاء في تفسير هذه الآيات أن ” المنازل ثمانية وعشرون منزًلا ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها فيقطع الفلك في ثمان وعشرين، ثم يستتر، ثم يطلع هلاًلا فيعود في قطع الفلك على المنازل، والشمس لا تدرك القمر لتبطل معناه، أي لكل واحد منهما سلطان على فلكه فلا يدخل إحداهما على الآخر فُيذهب سلطانه، بل إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء . وأدى القمرـ أيضًا ـ دورًا أساسيًا في التقويم الجاهلي، وذلك من خلال سيطرته المطلقة على مواعيدهم وتقويمهم، بقدرته على تقسيم دورة الأرض إلى اثنتي عشرة ساعة، و كفائته العالية في قياس الزمن، وقد جاء في القرآن الكريم ما يقطع الشك باليقين على الدور الذي لعبه القمر في مواقيتهم، قال تعالى:

۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) 

ويقول العلماء في تفسير هذه الآية إن ” أحوال الأهلة في زيادتها ونقصانها هي مواقيت للناس والحج، فهي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم وفطرهم وعدة نسائهم ومحل ديونهم وحجهم، فبين سبحانه أن وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه في ماتعلق من مصالح الدين والدنيا، يعود إلا أن الهلال حين يصبح دائريا تامًا دائما مثل الشمس لم يكن التوقيت به، ونص سبحانه على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت والدلالة على الشهور

وبقيت آثار عبادة القمر ــ على قلة انتشارها بعد الإسلام ـ قائمًة، ومن هذه الآثار،اتخاذ المسلمين شعار الهلال على المآذن، وهو من الرموز الجاهلية والسامية للقمر، حين أشار العرب القدماء للقمر والشمس بهلال أفقي ودائرة، ومن الأدلة الواضحة التي وردت في القرآن الكريم، والتي تثبت انتشار عبادة الثالوث الكوكبي بين العرب و الأقوام السابقة، قصة إبراهيم عليه السلام:

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)

فقد رأى الكوكب فأعظمه وأعجبه نوره وحسنه و كان قومه يعبدون الكواكب، فقال هذا ربي على سبيل الفكر، فلما أفل علم أن الأفول لا يجوز على الإله، فاستدل على ذلك أنه ُمحَدث مخلوق، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس فإنه لما رأى أفولهما قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهم، و بقيت هذه المنظومة الدينية منتشرة في معظم أنحاء الجزيرة العربية، إلى أن جاء دين التوحيد، داعيًا إلى ترك عبادة الأرباب و عبادة رّب الأرباب، ناهيًا عن السجود للشمس والقمر. قال تعالى:

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37

تجليات القمر في الاشعار العربية

وكان ذلك البعد الديني للقمر أما البعد البارز للشاعر الجاهلي كان بعدًا جماليًا وحسيًا وانشدادًا بأطوار القمر المختلفة ،إذ شبه صفاته بصفات المحبوب -فحين يصير بدرًا فإن ما يحمله من صفات كالبياض والكمال والجمال صفات شبيه بمحبوبته- وكان على طليعة هؤلاء الشعراء الذين قرنوا جمال محبوباتهم بجمال البدر عنترة، فهو يصف جمالها وحسن إطلالتها، بعد أن بدت له خارج خبائها، بظهور البـدر، قائلًا:

وَبَدَتْ فَقُلْتُ البَدْرُ ليْلَة َ تِمِّهِ     قدْ قلَّدَتْهُ نُجُومَهَا الجَوْزَاءُ
بسمتْ فلاحَ ضياءُ لؤلؤ ثغرِها فِيهِ لِدَاءِ العَاشِقِينَ شِفَا

ويتملك الحرج البدر في حديث رؤبة بن عمرو بن ظهير الثعلبي عن جمال فتاته ليلى، فهو يظهر في أبهى صوره في الليلة الصافية التي لا غيوم فيها، ولكنه يشعر بالحرج أمـام جمالها، فيرهن جماله عندها ،قائلًا:

يُهَــيِّجــُنـي لذكرى آلِ لَيــلى  حَمامُ الأَيكِ ما تَضَعُ الغُص
كَــأَنَّ البَـدرَ لَيـلَةَ لا غَـمـام. أَنـمـاطِهـا حَـرِجـاً رَهينا
كَـأَنَّ المِـسـكَ دُقَّ لَهـا فَـصـيغَت عَـلَيـهِ يَـومَ كـانَ الناسُ طين

وتختلف الصور الطبيعية وما تعنيه وتحدثه بالنفس تبعًا لاختلاف حال الشاعر وعلاقته بها، فمنهم من اتخذ الليل أنيسًا في السمر ورفيقًا في القفر ومنصتًا للمهموم المكدور.ورأى في القمر جمالًا مضافًا لليل ولاسيما في اكتمال طوره ووهج ضياءه ،وهناك من شكل له ضوء القمر طيرة وتشاؤم وهو الشاعر العاشق المتخذ من الليل أمانًا، و وعاء زمني لمغامراته مع النساء، وزياراته لمعشوقته، ففيه تضرب المواعيد بين العاشقين ويعقد اللقاء بعيدًا عن أعين الواشين. وكثيرًا ما كانوا يتسللون تحت جناح ظلامه إلى بيت المحبوبة، وخصوصًا في ليالي غياب القمر، فيصف الأعشى مغامراته المحفوفة بالمخاطر في طريقه إلى محبوبته، حيث شكل ضوء القمر عائقًا كبيرًا أمامه، يمنعه من الوصول إليها وظل طائفًا في الحي يرقب غيابه، فإذا ماغاب شرع يمشي بحذر، فيقول:

وَلَقَد أَطَفتُ بِحاضِرٍ              حَتّى إِذا عَسَلَت ذِئابُه 
وَصَغا قُمَيرٌ كانَ يَم نَعُ بَعضَ بِغيَةٍ اِرتِقابُه
أَقبَلتُ أَمشي مِشيَةَ ال خَشيانِ مُزوَرّاً جِنابُه

وتطيّر بعض الشعراء من القمر في طور المحاق، حيث نظروا له نظرة تشاؤمية اقترنت برحيل المحبوبة وتفرق المحبين، فيبين خفاف بن ندبة السلمي أن لم ير محبوبته إلا زمنًا قصيرًا، فقد شكل المحاق زمن انقطاع الوصل وانقضاء أوقات السعادة بينهما، فيقول:

وَلَم أَرَها إِلّا تَعِلَّةَ ساعَةٍ
عَلى ساجِرٍ أَو نَظرَةً بِالمُشَرَّقِ
وَحَيثُ الجَميعُ الحابِسونَ بِراكِسٍ
وَكانَ المُحاقُ مَوعِداً لِلتَفَرُّق

والليل في نظر بعضهم ضيفًا ثقيلا حاملًا للهموم والأحزان، كما يصفه امرؤ القيس :

وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ      عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلبِهِ وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا اِنجَلي بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ

فوصف الملك الضليل الليل بالظلمة التي أرخت عليه سدوله لتختبر حزنه وجزعه وتوحشها وهولها بتوحش الهموم الطاغية المتضاربة عليه في ظلام الليل، وفي البيت الثاني أراد الشاعر هنا ثقل الليل وفتوره وأنه كلما هم أن ينجلي سقط، كما يفعل الذي يتمطى ثم يردف أعجازه ثم ينوء بكلكلة. كما اتخذ القمر و مكانته بين النجوم صورة للشخص العزيز في قومه ورفيع القدر بين البشر، المتصف بصفات حسنة كالكرم والشجاعة والإقدام وإغاثة الملهوف. فنجد ذلك التشبيه في مواضع كثيرة من أبيات مدح ورثاء الشخص العظيم

تصور الخنساء جزعها على فقد أخيها وتذكر شمائله، وتشبه كرمه وفضله بالبدر الذي لا يختبئ في الليل من أمام القصاد، فحاجة المحيطين به كحاجة الساري ليلًا إليه، فتقول مخاطبة عينها:

جَمٌّ فواضِلُهُ تَنْدَى أنامِلُهُ        كالبدرِ يجلو ولا يخفى على السَّاري

كما ارتبطت ظاهرة الخسوف والكسوف عند العرب بموت عزيز أو سيد عظيم في قومه، وكان من طبيعة الشاعر الجاهلي أن يمزج بين حاله النفسية وبين الطبيعة، التي تبدو حزينًا ان كان حزينًا ، ومبتهجة إذا كان مبتهجًا، فليس لها كيان في نفسه إلا بمقدار ماتنعكس على صفحة إحساسه، فتظهر الصورة لدى عنترة في رثائه مالك بن زهير العبسي، إذ جعل القمر والشمس والنجوم تتشاطر الحزن على وفاته ويرى أن تهاويها وغيابها خير دليل على ذلك ، فيقول:

تُرى هَل عَلِمتَ اليَومَ مَقتَلَ مالِك   وَمَصرَعَهُ في ذِلَّةٍ وَهَوانِ
فَإِن كانَ حَقّاً فَالنُجومُ لِفَقدِهِ تَغيبُ وَيَهوي بَعدَهُ القَمَرانِ

وفي السياق نفسه تتحدث الخنساء عن اختلال أطوار القمر بعد موت أخيها، وكأنه أعلن الحداد على موته، فتقول :

وَالشَمسُ كاسِفَةٌ لِمَهلَكِهِ          وَما اِتَّسَقَ القَمَر

وعندما جاء الإسلام أبطل هذا الاعتقاد، وبين أن لا علاقة بين خسوف القمر والموت. قال صل الله عليه وسلم: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وكما اتخذ الشعراء من القمر رمزًا للمدح والرثاء اتخذوه أيضًا رمزًا للهجاء. وكان في طليعة هؤلاء الشعراء حسان بن ثابت في هجائه لأعدائه وأعداء قومه،وكان ممن هجاهم وأقذع في هجائهم، بنو شجع، وبخاصة زعيمهم ، فهو ضعيف جبان، لأنه ينتمي إلى قبيلة تتصف باللؤم والجبن، مؤكدًا شهرة هذا اللؤم وانتشاره بين الناس كشهرة طلوع القمر ومعرفة الناس له، فيقول:

وَأَنتَ عَبدٌ لِقَينٍ لا فُؤادَ لَهُ          مِن آلِ شَجعٍ هُناكَ اللَومُ وَالخَوَرُ
وَقَد تَبَيَّنَ في شِجعٍ وِلادَتُكُم كَما تَبَيَّنَ أَنّى يَطلُعُ القَمَرُ

ويعيب الشاعر هدبة بن الخشرم العذري على بني أميمة ما كانوا عليه من الاستعلاء والتكبر على الآخرين قائلاً:

ناطوا إِلى قَمَرِ السَماءِ أُنوفَهُم   وَعَنِ التُرابِ خُدودُهُم لا تُرفَعُ

فاقتران القمر بصفة التعالي، والتراب بصفة الوضاعة ـ في البيت ـ يجعلهما يحملان من الدلالات ما يوحي بالمبالغة فيهما، فالغلو في التكبر يقابله وضاعة في المنزلة. فعلى الرغم من التناقض بين المنزلتين هنا، فإنهما يجتمعان في الدلالة الرمزية التي تجسد الانحطاط. وهنا نرى أن القمر في الجاهلية ليس عنصر من عناصر الطبيعة فحسب، بل عنصر له أبعاده المتعددة، كالبعد الديني والنفسي والاجتماعي. كما ارتبط القمر ـ في أشعارهم ـ ببعض القيم الأخلاقية الإيجابية والسلبية، فكان معيارًا للكرم والبخل والشجاعة والخوف. وللقمر ألوان ودلالات متعددة، انعكست على ألوان الشاعر المُلّوِنة لنفسيته ورؤيته الذاتية، وانسجمت معًا في نفسه وما تُخفي داخلها من مشاعر حقيقية، كالتفاؤل والتشاؤم والخوف، فكانت صورة القمر بذلك خير ممثل لما يجول في خلدات النفس.


نقلًا عن بحث بعنوان “القمر في الشعر الجاهلي” لفؤاد يوسف إسماعيل اشتيه

 

شاركنا رأيك

اقرأ أكثر:

سلسلة الادب | شجرة السدر (1)

إعداد الحلقة الالقاء: منار الهلالي عبدالرحمن محمدروناء الهندسة الصوتية: اريج السعد  اذا كنت مهتم بممارسة هواية الالقاء او كتابة المحتوى تواصل معنا...

كيف نبني لأدمغتنا قدرات عالية؟

لنلعب! الكلمة المبهجة التي تزيح عنا جدية الحياة، تثير حماسنا وضحكاتنا “الا إن كان لديكم أخ تنافسي يخرب عليكم الجمعة” عدا عن ذلك نحن سعداء...

المشروع الشخصي في شهر رمضان

عادة ما يجعل الناس من رمضان شهرًا للتغيير فيستعدون له أجلّ استعداد ويجعلونه مضمارًا للسباق بين الميادين الدينية والدنيوية، وذلك من فضل الله أن جعل...

آخر المنشورات