ابحث هنا

الحضارة والرمز الأولي

كثيرًا ما يرد لنا مفهوم «الحضارة» فما هي الحضارة؟ وما  أطوارها؟ وكيف تقوم وتنمو وتتدهور؟وما أثر الشعوب عليها؟

نهدف في هذه المقالة إلى الإجابة على الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن عند ذكرنا للحضارة، و ذلك بشرح نظريات أبرز مفكري التاريخ للحضارة : مالك بن نبي، ابن خلدون، أرنولد توينبي، أوسفالد شبينغلر. مع الاستطراد في نظرية الأخير.

أجمعت المعاجم العربية على أن الحضارة :حالة من التمدن ضد البداوة. في حين رأى الكثير من المؤرخيين الحضارة بأنها مجموعة الظواهر الأدبية والفنية وكذلك الإجتماعية الموجودة في المجتمع. فكيف يراها أبرز المفكرين من الذين ذكرناهم آنفًا؟

يرى ابن خلدون الحضارة«تفنن في الترف واحكام المصانع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله». كما أنه عرّفها من حيث الإطار الاجتماعي والتاريخي بالوصول إلى قمة العمران والتطور الثقافي والشخص للمجتمع، والدخول للرقي الاجتماعي الثابت. 

و ينظر للدولة على أنها (كائن حي له طبعته الخاصة به، و تحكمها قانون السبيية، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية، وايضا وحدة سياسة واجتماعية لايمكن أن تقوم حضارة الا بها) إذ هي في نظره كائن حي يولد وينمو ثم يهرم ويفنى. وللدولة عمر مثل عمر الحي تمامًا. وحدده ابن خلدون بمائة وعشرين عامًا مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34). 

و تتكون من ثلاثة أجيال، كل جيل بعمر أربعين سنة، لأنه يعتبر ذلك متوسط عمر الشخص حتى يبلغ النضج غايته. مستشهدًا بقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)

ويؤيد بكلامه التيه الذي وقع لإبن اسرائيل في أربعين سنة. و يصنف الثلاثة أجيال، بالجيل الأول :سكان البوادي يعيشون عيشة بعيدة عن الترف، وتتميز بقوة العصبية والبسالة.

الجيل الثاني :هو الذي يُحقِق الملك ويُؤسِّس الدولة. وفيه ينتقل من حياة البداوة إلى الحضارة ومن شظف العيش إلى رغده. وتكسر فيه صورة العصبية والبسالة قليلاً. 

الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة ،و يفقدون حلاوة العز والعصبية. ويصل بهم الترف ذروته.

أما ابن نبي فيحمل مفهوم الحضارة من حيث النشئة والدوام والانحطاط في المعادلة التالية :” الحضارة=الانسان،التراب، الوقت. وهو مايسمى بثلاثية الأشياء والأشخاص والأفكار. و لتقوم الحضارة فإنه يجب حل المشكلات العنصرية هذه من خلال التفاعل بين الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب (مصدر الإنجاز) أي المادي. وعنصر الزمن الشرط الأساس لأي عملية يقوم بها الإنسان. فكلما ظهرت حركة منسقة بين الناس والأفكار والأشياء في مكان معين و لحظة زمنية معينة. فذلك دليل على أن الحضارة بدأت.

أما في ميلاد الحضارات بالنسبة لتوينبي فهي عائدة لعدة أسباب لا سبب واحد . «إن سبب ميلاد الحضارة ليس بسيطًا بل هو متعدد، إن ذلك السبب ليس كيانًَا، بل علاقة يمكن البحث عنه في نموذح التأثير المتبادل (تحدي – استجابة/ردة فعل) بحيث يرى تغير حركة التاريخ يكمن في (الوسط الفيزيائي) كالنقلة من حالة الجمود إلى النشاط الديناميكي (من يان إلى يانج) إلى عوامل (الوسط) أو (الجنس البشري). وسبقه بهذا بعض المؤرخيين. منهم يونغ، إذ يقول: «كل الظواهر طبيعية طاقوية. الحال انه بدون تضاد لايمكن أن يكون هناك طاقة».

وحيث يجد ابن نبي دفعًا روحيًا يدفع الحضارة(مرحلة النفس) فإن توينبي يجد دفعًا بروميثيا ينشط (مرحلة النمو). يقوم به الجماعة ويعود الجزء الأكبر من مسؤولية التقدم نحو الأمام (للأقلية الخلاقة/المبدعة) وإذا حدث أن توقفت هذه النخبة عن خلق وإنتاج (ردود فعل-استجابة) للتحديات التي توجهها الحياة. فتلك نهايتها.

وأخيراً أوسفالد شبينغلر، سنتوسع في شرح نظريته نقلاً عن عبدالرحمن بدوي في تأليفه عن اشبنجلر، وهو أفضل ما نُقل عن اشبنجلر باللغة العربية .

كان أوزفالد أرنولد شبنجلر مؤرخًا وفيلسوفًا ألمانيًا – (1880-1936). تضمنت اهتماماته التاريخ والعلوم والفن والرياضيات. اشتهر بكتابه “تدهور الحضارة الغربية”(The docline of the west, بالألمانية Der Untergang des Abendlandes) وعلاقته بنظريته الدورية للتاريخ. يفترض نموذج أن أي ثقافة لها عمر محدد ويمكن التنبؤ به.

لإشبنجلر نظرة مختلفة عن مالك بن نبي الذي لايؤمن بعضوية الحضارة ككائنات حية، فهو يرى استمرارية الحضارة واستطاعتها تجديد كهولتها بينما الكائن الحي فلا. وعلى نقيضه رؤية اشبنجلر، الذي تبنت التاريخ على أنه قصة حضارات منفصلة، لكل منها ثقافتها المميزة الخاصة بها، والتي ظهرت وتطورت ثم ازدهرت وتراجعت، بتلك النظرية التطورية للحضارة أدوار تطور كأدوار نمو الكائن الحي (طفولة – مراهقة – شباب – كهولة)، متأثرًا بنظرية ابن خلدون.

ويترتب على هذه النظرية بعض التصورات الأساسية :

أولًا :أنه لايمكن أن تكون هناك ثقافة عالمية، لا يمكن فرض أي مجموعة من الأفكار المنبثقة عن ثقافةٍ ما على أخرى. سواء بشكل سلمي أو قسري. وأن الانحدار الحضاري قاعدة ثابتة على جميع الحضارات بما في ذلك الغرب.

ثانيًا :يرفض أن الجنس البشري يمكن تتبع آثاره على الأرض من خلال البحث التاريخي.

إذًا هذه نظرة شبنجلر للحضارة والنظرة الدورية للتاريخ، أما عن الوجود الكائن في الحضارة. نرى الوجود الحقيقي عند اشبنجلر وحدة مستقلة:

« أنا وأنت – أي هوة تفصل بين هذين الوجودين! كلانا عالم أصغر مستقل بوجوده، منحاز داخل كيانه، محصور في دائرة ذاته. قد أغلق دوننا الباب فليس ثمة سبيل إلى الإتصال. إذا سمعت فأنا أسمع صوتي ،وإذا تحدثت فالحديث حوارًا بين نفسي وبيني، وإذا رأيت لم أرى إلا أشياء منعكسة على نفسي أو منكسرة حسب زاوية انكساري، وحيثما تلمست لم تقع يدي على غير ذاتي» 

ذلك هو الوجود الحقيقي، سواء في نظر فلسفة الوجود أو في فلسفة الحياة.

ويرى أن الوجود الحقيقي يتأثر بالناس: «الناس» و «مايقول الناس» هما أكبر شر يهدد الإنسان الحقيقي. لأنها تُفقد الإنسان الشعور بالمسؤولية. إذ يفنى في الجمع، فلا يعمل إلا بما يعمل (الناس)، ولا يفعل إلا حسب مايفعل (الناس)، فيصبح مرد كل شيء (الناس). إذا فكرت فكرت بواسطة الناس، ولا وجود لي إلّا بالناس وفي الناس. وجودي هو وجود غيري. ليس لي(أنا) وجود حقيقي. ولذا لست مسؤول؛ كل مسؤولية تقع على «الناس» أو تقع على التاريخ العام.

و هنا بعد ما بينّ أثر الانخراط في تفكير و وجود الناس من فُقدانٍ للمسؤولية الفردية. يعوز العلة في هذا «السقوط» برغبة التخلص من «هم الوجود» ، ومن «هم الزمان». وهما مظهرا الوجود الحقيقي: الوجود والزمان، والشعور بأحدهما أو بالأخر لايتحقق إلا بالاهتمام. وإذا أضيف إلى الاهتمام عنصر وجداني عاطفي تَمثّل بما يسمى «الهم».

فمن يشعر بالوجود الحقيقي، يحيا حياة الذات لا حياة الغير، عازماً في اتخاذ كل مسؤولية و كل قرار، يشعر بالهم في مظهريه: هم الوجود وهم الزمان. أما من لايحتمل الشعور بهذا الهم المزدوج، فليس له سبيل للخلاص منه إلاَّ بشيئين: «الناس» و «التاريخ العام» فبالأول يتخلص من هم الوجود، وبالثاني يفر من هم الزمان.

رؤية اشبنجلر الحضارة كائنات عضوية

في حين اعتقاد اشبنجلر بنظريته الحياة الكائن العضوي وحدةٌ مستقلة، فرد مستقلٌ بكيانه، مغلقٌ على نفسه. فإنه لايوجد تأثير متبادل بالمعنى الحقيقي في أن يأخذ الكائن الحي شيء أجنبي عنه يدخله في كيانه كما هو. بل لابد له، إذا كان يريد أن يأخذ شيئًا من الخارج، أن يحيله إلى طبيعته هو، بأن يتمثله ثم يهضمه. ومعنى هذا بصريح العبارة أنه يشكله من جديد، لأن طبيعة كل كائن حي تختلف عن طبيعة الكائن الآخر كل الاختلاف.

وبما أن الحضارات عبارة عن كائنات عضوية فإنها تمتاز بما يمتاز به الكائن العضوي الحي . فلكل حضارة كيانها المستقل المنعزل تمام العزلة عن كيان غيرها من الحضارات، ولا سبيل لإتصال حضارة بحضارة أخرى، وما يشاهد من تشابه بين حضارة وحضارة، أو تشابه في أسلوب التعبير عن حضارتين مختلفتين، وهمٌ فحسب، وتشابه بالظاهر لا يصل الجوهر. لأن كل حضارة تعبير عن روح، والروح تختلف بين حضارة وحضارة أخرى في جوهرها وأسلوبها ومُمكنات وجودها.

ولهذا لا توجد الحقيقة إلا بالنسبة لكل حضارة. فما هو حقيقي بالنسبة لحضارة قد لا يكون حقيقيًا بالنسبة للحضارة الأخرى. تأمل على ضوء هذا جميع الحضارات ترى أن الحضارات اللاحقة لم تأخذ من الحضارات السابقة إلا أشياء ضئيلة جدًا. ولم ترتبط وإياها الا بطائفة لاتذكر من الروابط، دون أن تعني مطلقًا بالمعنى الأصلي للأشياء التي أخذتها عنها.

تأثر الفلسفة اليونانية بالغرب :

يرى اشبنجلر القول بأن الفلسفة اليونانية لا تزال تحيا في الحضارة الغربية وأنها حيت من بعد موت الحضارة اليونانية في الحضارة العربية. ولكن هذا تشويه للواقع، إذ نسوا أن الكثير من هذه الفلسفة قد أنكرته الحضارتان، وأن الكثير أيضًا قد أُغفل، والباقي تقريبًا، إن لم يكن كله، فهمتاه فهمًا مخالفًا لفهم اليونان له، وإن أوجدته على نفس الصيغ والتعبيرات اليونانية. فقد كانت الفلسفة اليونانية مجموعة حقائق ولكن بالنسبة إلى اليونانيين وحدهم. فلا توجد فكرة من أفكار هيرقليطس أو ديمقريطس أو أفلاطون يمكن أن نعتبرها في نظرنا صحيحة دون أن نصححها حسب تفكيرنا وروحنا

ما حقيقة تأثر حضارة بحضارة ؟

يذكر اشبنجلر أن تأثر حضارة لحضارة أخرى ليس إلا كما تراه، أو كما في وسعها أن تراه، وعلى النحو الذي أرادت أن تراه حسب طبيعتها وأغراضها هي، لا حسب أغراض صانعها.

ولهذا القول بـ«تأثر» فنون اليونان التجسيمية بفنون التجسيم المصرية «تأثر» مزعوم أن اليونانيين قد وجدوا في الحضارات المختلفة التي أحاطت بهم من (مصرية وكريتية وبابلية وآشورية وفينقية) عناصر في الفن، فأخذوا بعض ملامحها، وكان بمقدورهم أن يجدوها في أنفسهم دون حاجة للاقتراض من الحضارات الأخرى. وإلا فلما لم يأخذ اليونانيين عن الفن المصري معابدهُ وأهرامهُ وكتاباته الهيروغليفية، إذا كانت المسألة مسألة تأثر تنشأ من مجرد الاتصال والمعرفة ؟العلة كما ماذكرناه منذ قليل أن الحضارة لايمكن أن تأخذ شيئًا من غيرها، إلا إذا كان هذا الشيء ملائمًا لطبيعتها هي، فلا تعترف إلا به وليتها تعترف به كما هو، بل لا تلبث إلا أن تحيله إلا طبيعتها. أي تجري عليه الكثير من التغيير مما يفقده روحه الأصلية.

إنّ كل علاقة يعترف بها ليست استثناء فحسب، بل هي أيضًا سوء فهم ،ولعل القوة الباطنة لحضارة من الحضارات لاتظهر بوضوح أكثر من ظهورها في هذا الفن من سوء الفهم المنظم. فكلما ازداد تمجيد المرء لمبادئ فكر أجنبي، ازداد تشويههُ لمعناه.

فبين أرسطو عند اليونان أرسطو عند العرب وأرسطو عند القوط في العصور الوسطى فارق لاحد له ،حتى لا يكاد المرء أن يجد فكرة واحدة مشتركة بين هذه الصور الثلاث لأرسطو. وبين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية هوة سحيقة من غير الممكن عبورها.

كيف تقوم الحضارات بنظرهِ :

يعتقد باستقلالية قيامها عن بعضها تمام الاستقلال؛ فكل منها دائرة مقفلة على نفسها ،ليس بينها وبين الحضارات الأخرى غير منافذ من نوع خاص لا تسمح بنفوذ شيء لا يتلائم مع جوهرها، وما تسمح به فإنها تحيله إلى طبيعتها.

ولكن هناك ظاهرة خطيرة من اتصال الحضارات وهي مايسميها اشبنجلر ظاهرة «التشكل الكاذب» وضرب عليها مثال الحضارة العربية والحضارة الروسية.

الحضارة الروسية والتشكل الكاذب

ما حدث في الحضارة الروسية من اختلاف لاحد له بين الروح الروسية والروح الغربية أو الفاوستية. بدايةً نمت الروح الروسية وامتلئت بشعور كوني جديد ،وظلت تنمو طوال العصر المعروف بالعصر المسكوني. ثم جاء بطرس الأكبر وأنشأ مدينة بطرسبرج سنة ١٧٠٣م ممثلة النزعة الغربية ضد مدينة موسكو التي تجسدت الروح الروسية الحقيقية. فانتشرت حينذاك الروح الغربية في السهل الروسي الفسيح المتعب، واضطرت الروح الروسية إلى الدخول في القوالب الأجنبية الغربية التي جاءت من عصر المبروك ثم عصر التنوير ثم القرن التاسع في الحضارة الغربية. وبدلًا من أن تتجه الروح الروسية صوب الجنوب المقدس، صوب بيزنطة وأورشليم –وهو اتجاه راسخ في أعماق الروح الروسية –اتجهت صوب باريس ولندن، وبعد أن كان الدين هو اللغة الوحيدة الذي يعبر عن الروح الروسية، حلت محله العلوم والفنون الغربية، ونزعة التنوير، والأخلاق الإجتماعية ، والمادية، وطفحت مدن بطراز أجنبي. وكانت هذهِ المدن مزيفة غير طبيعية ومُبغضة للروسي الحقيقي. كما نجد ممثل الروح الروسية الحقيقية «دوستويفسكي» يقول عن بطرسبرج أنها أشد المدن تجريدًا وتصنعًا. 

ومن حينها والروسي الحقيقي يرى في مدينة بطرسبرج رمزاً للفساد والشر وأن كل مايصدر منها سُماً وأكاذيب، وكانت نفسهُ مليئة بالحقد عليها والكراهية نحوها. فأكساكوف يكتب إلى دوستويفسكي سنة ١٨٦٣ فيقول«إن أول شرط من شروط تحرير الروح العنصرية الروسية أن يبغض المرء بطرسبرج بكل قلبه وجوارحه».

صراع بطرسبرج وموسكو:

هناك صراعٌ قوي ما بين بطرسبرج، مدينة الشيطان، و موسكو، مدينة الله. ومَثّل الصراع أحسن تمثيل شخصيتان عظيمتان هما شخصية تولستوي وشخصية دوستويفسكي: الأول يمثل الاتجاه نحو الغرب، والثاني يمثل الاتجاه نحو الجنوب نحو موسكو، نحو روسيا الحقيقة.

قد ترى تولستوي يثور على أوروبا والحضارة الغربية ويظهر أنها يُبغضها أشد البغض، والواقع أنه بلحمهِ ودمهِ غربي: إذ كره أوروبا فإنما يكره نفسه، وإذا ثار عليها فإنما يثور على نفسه. أما دوستويفسكي فإنه إن أظهر بعض العطف على أوروبا، فذلك العطف عطفٌ خبيث يقصد به ضده. وهو عطف الثائرعلى الفريسة الميتة أو من أوشكت أن تموت.

و دوستويفسكي قديس، أما تولستوي فثائر. ولهذا فإن البلشفية صدرت عن تولستوي لأنها في الواقع ليست إلاَّ إمتداد أو تجديد لثورة بطرس الأكبر، ثورة اقتصادية إجتماعية لا تمثل الروح الروسية الحقيقية في شيء.

.و ظاهرة التشكل الكاذب هذه لا تمتد لكل ما في الحضارة الناشئة وإنما تتحقق في بعض مظاهرها.

الرمز والحضارة

كل رمز هو رمز على حي تحجر فاستحالت الحياة فيه إلى موت، ولهذا الرمز موسوما بالفناء مرتبطًا بالمكان. لأن الرمز يدل على حادثة قد مضت في اللحظة التي ننظر فيها الرمز؛ وهي إذا مضت لاتعود.

وإذا كان الرمز يقارنه الفناء، وهو يعبر عن المكان. وهناك ارتباط عميق بين المكان والموت. فالمكان هو الإمتداد ، و الإمتداد هو المادة، والمادة نقيض الروح، والروح هي الحياة، والحياة نقيض الموت،والمادة هي الموت. فإن الموت والمكان إذًا سيان.

ارتباط الرمز بالمكان :

ومن أجل هذا ارتبط الرمز بالمكان ،والمكان الحقيقي لا يقوم إلا على أساس فكرة العمق. فكل مكان خلا من العمق فهو مكان آلي غير حقيقي.

و ببدء التجربة الحية للعمق تبدأ الحياة الشعورية في الإنسان. «فالطفل الذي يريد أن يأخذ القمر ولا يعرف معنى العالم الخارجي –وهو في هذا يشبه الروح النائمة في ضباب الاحساسات التي قُيّدت بها – تعوزه بعد التجربة الحية للعمق». أجل لايعوز هذا الطفل كل تجربة حية للامتداد؛ «وإنما الذي يعوزه نظره في الوجود؛ فهو يشعر بالبعد، ولكن هذا البعد لا يتحدث إلى روحه. فإذا ما استيقظت الروح، ارتفعت إلى درجة الشعور بالعمق

رابطة الوجود الواعي وإدراك البعد والزمان :

:إن رابطة ذاتية عميقة تربط بين شيئين :يقظة الروح التي تمثل الوجود الواعي للحضارة وبين إدراك البعد والزمان. وهذا الإدراك للكون الخارجي ومايربط بينهما هو رمز الإمتداد الذي يظل من ذلك الحين الرمز الأولى لهذه الحياة و يعطيها أسلوبها وصورة تاريخها. ونوع الاتجاه هو الذي ينتج الرمز الأولى المتصف بصفة الإمتداد.

أي نظرة الامتداد للكون الخارجي هي ما تمثل الرمز الأولي للحضارة، فمن الحضارات من ترى الكون الخارجي نظرة بعد ممتد لانهائي ومنهم من تراه كجسم منعزل أو كهف. ونوع الاتجاه هو الذي يمثل الاتجاه للأعلى أو طريق متسع ويضيق أو سرداب.

ولنشرح رؤية كل حضارة للكون على حدة

فالإتجاه يبدو إلى النظرة الكونية الخاصة بالحضارة القديمة على شكل الجسم القريب المحدود الكامل في نفسه.

وبالنسبة إلى النظرة الخاصة بالحضارة الغربية على صورة المكان اللانهائي الموغل في البعد الثالث، بعد العمق.

أما للحضارة العربية فهي على هيئة كهف. فكأن لميلاد كل حضارة من الحضارات نوع تنظر به العمق، وتبعاً لهذا النوع يكن الرمز الأولى للحضارة.

وهذا الرمز الأولى يطبع بطابعه كل مظاهر الحياة: فنجده في هيئة الدولة والأساطير والمعتقدات، والمثل العليا الأخلاقية، وأشكال التصوير والموسيقى والشعر، وفي المبادئ الأولية لكل علم.

لنضرب مثلا على البناء في الحضارة القديمة، نجد المعابد القديمة قد خلت من النوافذ وحجبت بعناية وراء صفوف متراصة من الأعمدة. وأوضاع الواجهات والجباه، ومن حيات الأعمدة وما بينها من مسافات، قد عملت بطريقة تعطي للبناء كله مسحة الأسرار. وترى البناء وكأنه محدد تحديداً تام ومنطوي على نفسه محصورٌ في داخلها. وهذا من شأنه أن يقضي على فكرة الاتجاه أو العمق. فلا يشعر الإنسان بثمة عمق أو اتجاه.

معبد ايزيس في فيلة

أما البناء القوطي للحضارة الغربية. نجد البناء الداخلي في الكاتردائية القوطية يبدو كأنه يصعد بقوة هائلة نحو السماء. والمنافذ قد شغلت حيزاً واسعًا وصنعت من الزجاج حتى تُشعِر الرائي بضرورة امتداد البصر إلى الفراغ اللانهائي. وفي هذا نشاهد إرادة نزاعة إلى اللانهائي،إلى البعيد، إلى العميق.

كاتدرائية كولونيا

وفي الحضارة العربية و رمزها الأولي المعبر عن الكهف. وَجهّت عنايتها إلى السقف المقفل، وزادت من أهمية الداخل. وعبّرت عن رمزها الأولي عن طريق القبة المركزية. إلا أن الروح العربية. تبعاً لنظرتها المكان على صورة كهف أو كرة مفرغة، لم تكن عندها النوافذ إلاّ غاية نفعية لا غاية فنية. لم تكن إلى خروق في الجدران كما يقول دهيو. وعلى النقيض نجد الروح الغربية جعلت للنوافذ أهمية بالغة. حتى رفعتها إلى التعبير عن روحها، لأنها وجدت فيها وسيلة للتعبيرعن نزعتها نحو المكان اللانهائي، نحو العمق البعيد واللامحدود.

وفي المدن نرى المدينة اليونانية هي الوحدة المطلقة المنعزلة في سياستها كل العزلة أما الروح الغربية فلا تعرف العزلة، بل تتجه نحو السياسة العالمية الرابطة بين الأمم كلها. وحتى إذا استعمرت فهي تربط المستعمرات بالدولة الأصلية حتى تُكّون إمبراطورية فسيحة غير محدودة الأطراف، على أقل تقدير. وليست النزعة إلى الرحلات الاستكشافية إلّا تعبيراً عن النزعة إلى اللانهائي وإلى البعيد. وهي بذلك تختلف عن الروح اليونانية، فأودسيوس يحن في رحلته إلى بلده الصغير، إلى وطنه المحدود، بينما الرحالة الغربي يحن إلى المكان البعيد اللانهائي؛ الأول يبدأ من الخارج متجهًا للداخل والثاني يبدأ من الداخل متجهًا نحو الخارج؛ هذا يمثل نزعة الاتساع والامتداد، وذاك يمثل نزعة الانكماش والانحصار.

الحضارات ونشأتها:

يجدر بنا الآن التحدث عن أبرز الحضارات في التاريخ متى ظهرت وفي أي بيئة ولدت.اكتشف اشبنجلر في تأمله للتاريخ العام ثماني حضارات عليا رئيسية هي الحضارة المصرية والبابلية والهندية والصينية والقديمة (اليونانية والرومانية) والعربية والمكسيكية والغربية.

أول الحضارات كانت قبل ٣٠٠٠ سنة، قامت على شاطئ نهرين: إحداهما على شاطئ النيل هي الحضارة المصرية والأخرى على شاطئ الفرات الحضارة البابلية. وهاتان الحضاراتان هما أول الحضارات المعروفة؛ وقد كشفتا عن نزعة الآسيوي القوية نحو الاتساع والامتداد. فقد امتدت آثار الحضارة البابلية، وأغلبها متصل بعلم المقاييس والأعداد والحساب، إلى بحر الشمال والبحر الأصفر في الصين.

ثم بدأ ميلاد ثلاث حضارات جديدة سنة ١٥٠٠ ق. م ،أولها الحضارة الهندية في بنجاب؛ والثانية الحضارة الصينية على نهر هوانجهو الأوسط حوالي سنة ١٤٠٠، وأخيراً الحضارة القديمة على بحر إيجه حوالي سنة ١١٠٠.

ولكن اشبنجلر اكتشف وجود حضارات ذات رقعة موزعة. كبيزنطة والدولة الحميرية. وثمة حضارة توسطت في الزمن بين الحضارة العربية والحضارة الغربية، وهي الحضارة المكسيكية، لكنها عانت موتا مبكرًا فلم يُكتشف إمكانياتها. وأخيراً جاءت الحضارة الغربية أو الحضارة الأوربية الأمريكية ابتداءً من عهد أوتو الأكبر. حوالي ١٠٠٠ بعد الميلاد شعرت الشعوب الأوربية بجنسيتها: هذا ألماني وهذا إيطالي وذاك فرنسي إلخ. بعد أن كانت تعتبر جنسيتها باعتبارها فرنجة أو قوطًا.

وقد تحدثنا من قبل عن الرمز الأولي للحضارة العربية فقلنا إنه الكهف أو السرداب أو التجويف الداخلي، وعن الرمز الأولى للحضارة الغربية فقلنا إنه المكان اللانهائي.ولنتحدث الآن عن بقية الحضارات

رمز الحضارة المصرية والصينية :

. الحضارة المصرية رمزها الأولي هو «الطريق» ، لأن الروح المصرية تشعر باعتبار أنها في رحلة تسير في طريق الحياة الضيق المقدر لها، والتي ستقدم عنه حسابًا يومًا ما أمام القضاة. كما موضح في الفصل الخامس والعشرين من «كتاب الموتى» وإلى هذا الرمز يرجع كل مظهر من مظاهر الحضارة المصرية. فالمعابد في الدولة القديمة ، وأهرام الأسرة الرابعة، لا تمثل مكانا ذا أقسام. مثل المسجد والكاتدردائية وإنما تمثل تتابع مستمر لأمكنة متوالية. والطريق المقدس الذي يفتح عنه مدخل المعبد على النيل يضيق شيئًا فشيئًا كلما توغل المرء في السراديب والدهاليز والأبهاء ذات الأعمدة المتوالية والقاعات ذات القوائم حتى يصل إلى غرفة الميت.

الهرم الثاني والطريق المقدس الموصل من معبد الجنائز إلى معبد الوادي.

ويشبه هذا الرمز الأولي المصري الرمز الأولي في الحضارة الصينية. ولكن يختلف المصري عن الصيني في أن المصري يتبع الطريق المرسوم له حتى نهايته اتباع لا مفر منه، بينما الصيني يتجول خلال الكون الذي يحيا فيه دون أن يسير على طريق مرسوم. وما يقوده في هذا التجول ليس طريقاً ضيقًا من الحجر وإنما الطبيعة نفسها، الطبيعة الحنون التي أخذها دليله إلى الإله أو إلى مقابر الأجداد. ولهذا نجد أن المعبد الصيني ليس بناء منعزل ولكنه نوع من البناء تلعب فيه الرابية والماء. والأشجار والأزهار وقطع الأحجار وتنظيمها. نفس الدور المهم الذي تلعبه الأبواب والجدران والسور والمنازل.

الطراز تبعًا للرمز الأولى لكل حضارة :

نأتي الآن لتفسير الطراز تبعًا للرمز الأولى لكل حضارة : فالطراز العالي في الحضارة المصرية يعبر عن الطريق ومالهُ من اتجاه نحو العمق، والطراز في الفن اليوناني يعبر عن الجسم المنعزل الحاضر وفي الفن العربي يمثل عن الكهف والسرداب، وفي الفن الغربي يعبر عن المكان اللانهائي والبعد الشاسع.

لنتحدث قليلاً عن كل طراز كي نتبين بوضوح كيف يعبر كلٌ منها عن رمزه الأولي. الطراز المصري بدأ في مستهل الأسرة الرابعة (سنة٢٩٣٠ق. م) بتجربة العمق الحية التي خلقت بها الروح المصرية، وتلقت مضمونها من عامل الاتجاه نفسه فأصبح العمق في المكان والبعد والموت والمصير باعتباره زماناً متحجرًا وأصبح البعدان الحسيان الخالصان، وهما الطول والعرض سطحا إضافيا، الغاية منه أن يُضيّق طريق المصير ويجعله محدداً.

أما الطراز المصري تعبير عن روح كلها شهامة وبسالة، ولذا امتاز بالرزانة والصولة في شيء من الصمت الرائع. «فكأنه جسوراً على كل شي، لكنه في صمت وسكون» بينما لو أخذت طرازاً كالطراز الغربي لوجدته صاخباً يعلن بصوت عالٍ يهز الآذان انتصاره على القوة الكونية ،كما لو تأملت الطراز اليوناني لتبينت شعور اليوناني بضعفه وعجزه وتسليمه بإزاء القوة الكونية. والأخلاق التي نادى بها الفلاسفة اليونانيون ترمي في النهاية إلى الخلو من الانفعالات وإلى الطمأنينة السلبية التي يسمونها «الأتركسيا» ، والرجل اليوناني يتقهقر امام الحياة حتى لو كان في هذا التقهقر قضاء لحياته. ولذا كانت الحضارة اليونانية إلى جانب الهندية ترى الانتحار شي مقدس ومرتبة من الفضيلة الأخلاقية العليا.

وأخيراً.. فإن كانت كل روح اختارت نوعاً خاص من الفنون يعبر عنها أكمل تعبير، فالروح المصرية اختارت المعمار وبلغت القمة فيه ، والروح اليونانية اختارت التجسيم – فإن الروح الفاوستية أو الغربية قد اتخذت الموسيقى لتكون نوعاً فنيًا يعبر عن رمزها الأولي، فالموسيقى هي أصلح الفنون للتعبير عن اللانهائي.

المصادر:


-نظرية الدولة عند ابن خلدون. بقلم :د. سهيلة زين العابدين

-كتاب مختصر دراسة التاريخ (المجلد الأول) تأليف أرنولد توينبي. ترجمة فؤاد محمد الشبل.

-بين الفكر والسياسة مع مفكر العصر مالك بن نبي. بقلم: نور الدين بوكروح. ترجمة عبدالحميد بن حسان

-اشبنجلر- تأليف عبدالرحمن بدوي

شاركنا رأيك

اقرأ أكثر:

هل القصة شخصيات، أم أحداث؟

الكثير من كتّاب القصص والقرّاء -على حدٍ سواء- يصبون اهتمامهم على أحداث القصة، بينما العنصر الذي يتملّكهم ويجذبهم في الحقيقة هو الشخصيات، وصراعهم داخل...

مدرسة فرانكفورت ونقد الواقع

تلخيص كتاب صناعة الواقع (الإعلام وضبط المجتمع) لمحمد علي فرح – الفصل الثالث والرابع إننا كما نعرف أنّه هناك أشياء نعرف أنَّنا نعرفها، وهناك...

ما القيمة من الكتابة؟

توجد لدينا فكرتان متعلقتان بالكتابة تعلمناها ونحن صغار، ولكن هاتين الفكرتين أثرت علينا سلبيًا كبالغين عندما نقرر كتابة أي نص، علميًا كان أم أدبيًا...

آخر المنشورات