ابحث هنا

مدرسة فرانكفورت ونقد الواقع

تلخيص كتاب صناعة الواقع (الإعلام وضبط المجتمع) لمحمد علي فرح – الفصل الثالث والرابع

إننا كما نعرف أنّه هناك أشياء نعرف أنَّنا نعرفها، وهناك أشياء نعرف أنَّنا نجهلها، فهناك أشياء نجهل أنَّنا نجهلها

رامسفيلد –

يتحدث كتاب صناعة الواقع عن رسائل فكرية في المجتمع والواقع والسيطرة. في الفصول الأولى تحدث الكاتب عن لوبون والمجتمع ونظرية التحكم بالجماهير من النظرية إلى التطبيق مرورًا بهتلر وتنظيم المجتمع النازي إلى والتر ليبمان ، أمَّا في الفصول الأخيرة – الثالث والرابع- فتحدث فيها عن الواقع حسب مدرسة فرانكفورت، والمجتمع الافتراضي، وهذا ماسنلخصه :

‘معيار الفرد في المجتمع الحديث حسب ‘فرانكفورت

إنَّ المعيار لدرجة مناسبة الفرد للمجتمع .. ما يمتلكه من أدوات ودرجة رقيها وعصرية أدواته

مما جعل الفكر ليس إلّا شيء لا قيمة له في تحديد أهمية الفرد في هذا العصر.. وبالتالي لأجل أن تتملك يجب أن تستهلك؛  لأنك إذا استهلكت فأنت موجود، نعم حاول أن تنسى قليلاً أو حتى كثيراً: «انا أفكر.. فأنا موجود» لأنه الآن: «أنا أستهلك.. فأنا موجود» وستنال الاهتمام المفروض عليك، والذي تحسب أنك أنت الذي تريده

الاهتمام من المجتمع والاهتمام من المصنع والاهتمام من التجار ارتبط وجودك بدرجة أو بأخرى باستهلاكك، فكلمّا زاد الاستهلاك؛ كلما أثبت وجودك أكثر فأكثر. 

يقول «لوبون»: إنه لابد من إيجاد حلًا – على الدوام- للإشكالات التي تطرحها نفسية الجماهير إذا أرادت السلطة أن تبقي الجماهير بلا معارضة، وهذا ماتم على يد «بيرنيز» في إيجاد آلية يمكن من خلالها التهدئة الدائمة للجمهور ،و ماتنبه له «ماركيوز» و«أدورنو»: «أن استهلاك السلع هو العنصر الأساس في تهدئة الجماهير، ويستندا – في ذلك – على أعمال فرويد – التي استفاد منها بيرينز لوضع الأسس النفسية لعلم التسويق الجديد، ولخِص بأن الشعب يُستمال ويُسيّطر عليه من خلال استهلاك مقادير من السلع المتزايدة، مع وعد بأن مثل هذا الاستهلاك يساوي الحريَّة، «ويأتي بالسعادة

ومن هنا تعتبر مؤسسات الرفاه الاجتماعي في المجتمعات الحديثة أحد أهم وسائل السيطرة على حياة من ينعم بفوائدها ومزاياها ،والتي من صورها بطاقات «الفيزا» و«الماستركارد». بدلاً من أن يكون الإنسان أسريّاً في بيته واجتماعيّاً في الخارج، يتحول إلى كائن مستهلك على الدوام. وهكذا يتحوّل التحرر من الحاجة المادية – الشرط المسبق لكل أشكال الحريَّة – ليصبح هو نفسه أساس العبودية. 

وقد أشار«هوركهايمر» إلى النظام الاستهلاكي الجديد مستخدمًا أفكار فرويد في البقاء وحفظ الذات، وأنّ ظهور الرأسماليَّة الاحتكارية المنظمة اضطرت الأفراد المحافظين على بقائهم بأن يندمجوا أكثر في المنظومة، و يتقبلوا استغلالهم تقبُّل عميق بوصفهِ شرطًا ضروريّاً لبقائهم، و كان عليهم تعلُّم المرونة والتكيُّف مع الواقع. 

أما السبب المنطقي لهذا الانحدار في الفردية: هو اختزال العقل إلى وظيفتهِ الأداتيَّة، فعليه أن يجعل نفسه مذعانًا سهل الانقياد، وأن يكون عقلانيا بما يكفي ليخضع، ولا يهتم بقضايا تتطلب تفكير واسع عريض. 

وهنا يقوم«عبدالوهاب المسيري» بتوضيح المقصود بالعقل الأداتي، فيقول في موسوعته«العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة

والعقل الأداتي:  هو العقل الذي يلتزم -على المستوى الشكلي- بالإجراءات دون هدف أو غاية. أيّ: إنه العقل الموظف لِلوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن  مضمون هذه الغايات، وما إن كانت إنسانيَّة أو معادية للإنسان.

    أهم الأفكار المرتبطة بالمجتمع وعلاقته بالمنظومة

أولًا :الاستهلاك: الفتشية السلعية و (المجتمع الاستهلاكي):

«إن الفتشية بمعنى«التوثن» تشمل معنيين آخرين ،«ولكن ما يعنينا هنا«الفتشية السلعية

وتعني: (استبدال المنفعة التي تُقدمها السلعة، إلى مجرد امتلاك السلعة نفسها، حتى تتحكم السلعة في الإنسان بدلاً من تَحكمه فيها، و تصبح السلعة ذات قيمة محوريَّة في حياة الإنسان تتجاوز قيمتها الاقتصاديَّة وغرضها الاستعمالي، تصبح السلعة مثل الوثن)

كان استهلاك السلع في الماضي وسيلة لغاية ما، وهي تحقيق سعادة الإنسان. أما اليوم؛ أصبح الاستهلاك غاية في حد ذاته، و هدفًا لاعقلانيًا، فـشراء آخر موديلات «السيارات، والملابس، والآلات…» هو هدف كل إنسان، وتكون اللذة الحقيقية المُصاحبة لهذهِ الأشياء ثانوية بالنسبة للحصول عليها. 

لقد حقق المجتمع الصناعي وفرة في الإنتاج، ومن أجل تصريف هذه الوفرة يجب أن توازيها وفرة في الاستهلاك – ومن أجل ترسيخ قيم الاستهلاك – تعمل الشركات على توحيد الأذواق، فوفرة الإنتاج والاستهلاك – حسب مدرسة فرانكفورت – تُخَدِّر المجتمع وتجعله يكسب مناعة ضد أي تغيِّير نوعيّ، فالفرد في هذا المجتمع يعتقد أنه حُرّ بمجرد انَّهُ يستطيع الإختيَّار بين أنواع المنتجات الصناعية لتلبيَّة حاجاته (إنَّه حُرّ في اختيار أسياده) حسب «ماركوز

تدفع الرغبة في الاستهلاك كذلك الإنسان إلى تكوين رغبة مطلقة منفصلة تماماً عن حاجاته الحقيقية، فالمجتمع الصناعي يعتقد أنه حُرّ في وقت فراغه، غير أن وقت فراغه أصبح هو الآخر خاضعاً للمنظومة الرأسماليَّة، فالانسان اليوم يستهلك وقت فراغه بمشاهدة المباريات الرياضية والأفلام السينمائيَّة… بطريقة لا تختلف عن استهلاكهِ للسلع، يستمتع بمشاهدة ما فرض عليه أن يسمعه أو يراه . 

:ثانيًا :التشيّؤ

من الممكن وصف التشيّؤ بأنّه: تحول شيء لا ماديّ ليصبح شيء ماديّ ،وينطبق على الفكر مثلًا أو الثقافة أو الفن، ممَّا يُغيِّر من طبيعة هذه الأشياء الغير الماديَّة. 

ويمكن القول ببساطة شديدة بأن التشيّؤ هو: أن يتحول الإنسان إلى شيء، والإنسان المُتشيِّء إنسان ذو بعد واحد قادر على التعامل مع الأشياء بكفاءة غير عادية من خلال نماذج اختزاليَّة بسيطة، ولكنه يفشل في التعامل مع البشر بسبب تركيبتهم.

في مرحلة التشيّؤ هذه قد يتحول الفكر والفن وحتى الإنسان إلى شيء أو رقم أو سلعة تنزع الوجود والكينونة الإنسانیَّة. 

إنّ اتجاه المجتمع اليوم بتقييم الفرد فيه على حسب الأشياء وقيمتها السوقيِّة أصبح أحد المعايير الأساسيِّة بالعلاقة بين الأفراد في المجتمع، مما يؤدي بطبيعة الأمر إلى أن ينظر الفرد إلى نفسه حسب الأشياء التي يمتلكها، والتي تُعبِر عن وجوده، وهو بذلك يُقيِّم نفسه باعتباره شيئًا ماديّاً وليس إنسان. 

الأمر الذي يدعو للاستغراب أنَّ الأشياء التي يتم تقييم الفرد من خلالها لاتكتسب قيمتها من نفعها، بل إن الأعلى سعراً هي الأعلى قيمة. 

ثالثًا : الاغتراب

الاغتراب الذي يصيب أفراد المجتمع يكون بسبب الحالة الإجتماعية التي تحولت فيها أرقى المعاني والمشاعر إلى أشياء كـ «الفن، والحب، والخدمة، والفكرة حتى الإبتسامة»  مما يدفع الإنسان إلى الافتتان أكثر بالأشياء، وتقل مخالطته للبشر، ويبدأ في فقدان إنسانيته، وتندفع نفسهُ إلى الشعور بالاغتراب. 

:وهناك أربعة أشكال للاغتراب في رؤية ماركس

١-الاغتراب عن منتجات العمل، التي لا تعود ملكيتها للعامل بل للرأسمالي، حيث تُوضع حياة العامل بالكامل في صناعة أشياء لايملكونها، وبداخل نظام لا يملكون السيطرة عليه، فيُصبح جهدهم ذاته يُؤخذ منهم ويُباع مثله مثل الأشياء التي يُنتجها، ولا يكن لديه حتى عِلم بما يُنتج، فقد أصبحت أماكن العمل أكثر تقسيماً وأقل اعتمادًا على المهارة.

٢-الاغتراب داخل عملية الإنتاج نفسها 

٣-الاغتراب عن الوجود البشري

«٤-اغتراب «الإنسان عن الإنسان 

و لتكريس الاغتراب: يلجأ النظام الرأسمالي إلى آليّات عديدة… خَلْق مايمكن أن يسمى بالحاجات الكاذبة… وهي حاجات تصنعها وسائل الإعلام 

إذن فمشكلة الاغتراب اليوم ليست مرتبطة بالطبقة التي تقوم بالعمل الشاق، فالاغتراب أصبح مشكلة الإنسان المعاصر، سواء في الطبقات العاملة أم الطبقات المستهلكة، وكذلك الدول المصنعة أو الدول المستهلكة

المنظومة حولت الإنسان المعاصر إلى إنسان لا يعرف لنفسه معنى إلا من خلال الاستهلاك للأشياء، وبذلك يموت الإنسان وتحيا الأشياء، تلك الأشياء التي لا يشعر الإنسان بحريته إلا بها، وإن توهم أنّه لا يخضع لأي سلطة ! 

وهنا يكمن الخطر، فمن أجل أن يتم تهدئة الجماهير أو السيطرة عليها، لابد وأن يزيد الإنتاج ليزيد الاستهلاك، فيظن الإنسان أنه غارق في السعادة بينما هو في الحقيقة غارق في التسلية والترفيه لعله يجد السعادة، بينما يظل متجنِّباً أو مصروفاً عن أحد أهم الأسئلة التي تشكل أهمية كبيرة لوجوده (ماذا يعني الوجود بالنسبة له؟)، وهذا بالفعل يؤدي إلى موت الإنسانية بأعظم معانيها

وبوجود الإنسان في مثل هذا الاغتراب، لا يهتم بمن قد يتضرر لأجل إنتاج هذه السلع، ولكن يبقى المهم أن توجد السلعة وبأيّ طريقة تكن.

وقد يصعب التفريق بين المفاهيم الثلاثة السابقة، ولهذا فمن الجيد عرض ما قاله «المسيري» في ذلك :« إنّ هناك تداخلًا بين التشيؤ والتسلع من جهة، والاغتراب من جهة أخرى في أنّ الاغتراب يشير إلى الجوانب التالية

١- فُقدان الإنسان العلاقة مع مشاعرهِ الإنسانیَّة الدفينة العميقة واحتياجاته الإنسانيَّة

٢- إحساس الفرد بالعجز وشعوره بأنَّه غير قادر على التأثير في المواقف الإجتماعيّة المُحيطة به

٣- الإحساس بالعزلة والانفصال عن تيار الثقافة السائد. 

«٤- الإحساس باللامعياريّة وغياب المعنى 

يرد «المسيري» كل هذه الظواهر إلى ظاهرة متفشية في المجتمع الحديث وهي ظاهرة «التنميط»، ويطلق هذا المصطلح على ظاهرة معينة في الحضارة الغربية، وهي أن كثيراً من المنتجات الحضارية أصبحت متشابهة ونمطية بسبب الإنتاج الصناعي السلعي الآلي الضخم.

وكل هذا تم من خلال وسائل الإعلام التي أشعرت الفرد بأن هذه النمطية هي الحياة الطبيعية، كما ساعدت في ظهور نوع أعجب من التنميط، وهو التنميط للداخل الإنساني، فأحلام الإنسان أصبحت كذلك أحلام نمطيّة. 

:إنسان البعد الواحد

ولعل من أهم تزيِّيف الفكر الإنسانيِّ في المجتمع الحديث ، والتي سلطّ «ماركيوز» عليها الضوء في بداية كتابهِ «الإنسان ذو البعد الواحد» هو خلق عدو مدمّر خطره مُتوقع بين لحظة وأخرى؛ لتعطيل فكر المجتمع عن أي خطر آخر قد يهددها.

على الرغم من أن هذا الشكل غير عقلاني، فكيف يكون الوضع الثابت والمستقر للمجتمع (أن يحيَّا ويموت تحت راية العقلانيَّة والإنتاج وهو يعلم أنَّ الإبادة – لشعوب أخرى – هي ضريبة التقدم كما أن الموت هو ضريبة الحياة، و يعلم أن التدمير والكدح ضروريَّان كشرط مُسبق للتلبية والفرح. 

«لذلك يرى«ماركيوز» أنّ «ماهو كائن لا يمكن أن يكون حقيقيًّا

ويؤكد أن معرفة الحقيقة لن يكون ممكنًا في مجتمع لايريد المرء منه سوى كسب معاشه و وضعه أشبه بوضع العبد؛ لأن الإنسان الذي يعقل هو الذي أتقن التأمل المحض 

أمّا الحاجات التي يجب اشباعها فهي الحاجات الحيويَّة، لأن فكرة الاهتمام بالحاجات الحيوية في ظل هذه الظروف سيقلِّل تدريجيًّا من وطأة العمل الشاق والبؤس. ولا تزال الصعوبة كامنة في تحديد الحاجات والتمييز بينها؛ لأن «السلع اليوم أصبحت تُقدم للمجتمع أفكارًا ومشاعر ممّا يقضي على حافزهم على بأن يفكروا ويشعروا ويتخيلوا بأنفسهم»

إن مثل هذا«المجتمع اكتسب الطابع العقلاني للّاعقلانية، أضفى المجتمع صفة الحاجة على ماهو زائد عن الحاجة، وعلى تحويل الهدم للطبيعة بناء، حوّل عالم الأشياء إلى بعد آخر للجسم والروح الإنسانيّ، فالناس في هذا المجتمع يتعرفون على أنفسهم من بضائعهم، ويجدون جوهر روحهم في سيارتهم وجهازهم ، وفي بيتهم الأنيق، وأدوات طبخهم الحديثة».

لذا فإن أهم ما ناقشه «ماركيوز» فيما يرتبط بحرية المجتمع هو أن «التحرر من البؤس هو المضمون العيني لكل حرية، فكيف بهذا المجتمع الذي كلمّا زاد فيه غنى الإنسان زاد بؤسه». 

 وممّا يذكرهُ أيضًا «أنَّ العبودية لا تتحدد بالطاعة، ولا بقوة الكدح، وإنّما بالإنسان المحول إلى أداة وإلى شي، ذلك الشيء المحض للعبوديَّة، أن يوجد الإنسان كشيء، أن يوجد الإنسان كأداة، حتى لو دبت فيه الحياة بملبسه النظيف ومظهره الجميل» 

«الأفكار الجدیدة التي سادت المجتمع الأمريكي بعد رؤية «ماركيوز

هي أفكار الفرد، فالمقياس الوحيد لقيمة أي شي هو الفرد، أن يحاول كل شخص أن يتفرد عن الآخرين، إن كنت أرى أن هذا الشيء جميل فهو جميل، لا يوجد شيء، يُسمّى: «الذوق العام»، لا يوجد شيء يُسمّى: «القواعد الأخلاقيّة، أو الدينية، أو الإجتماعية»، لا يوجد أهمية لِمَا هو مقبول اجتماعيّاً وماهو غير مقبول، المهم ما أقبله انا كفرد أو ارفضه، هذا هو ما يحدد سلوكي، هكذا تسبب إصلاح «ماركيوز» خطأ في ارتكاب خطأ آخر، وهو أن الشركات بدأت في تبني فكرة الفردية. 

الآن وقد صار«التفرد» هو اسم اللعبة وأصبحت الأساليب القديمة في التسويق وتقسيم الناس بناء على مستواهم المادي أو الإجتماعي لا يُجدي في تسويق السلع، صار كل إنسان يبحث عن ما يجعله منفردًا فقط. 

Stanford Research institute وهنا لجأت الشركات لمعهد ستانفورد للأبحاث

ليفكروا في حل للمشكلة، فقام المعهد بدراسات للكيفية التي يحاول بها الناس الشعور بتفردهم، وتوصل المركز إلى وجود قوالب محددة للسلوك يشعر من خلالها الإنسان بتفرده، على سبيل المثال هناك من يشعر بتفرده من خلال التجارب الجديدة.. إن استهدف هذا النموذج من الناس بحملات تسويقية قائمة على فكرة (تجربة) منتج ما؛ فغالباً ستجذب انتباهِه، وقام المركز بتنصيف هذه القوالب المحددة التي يشعر من خلالها الإنسان بتفرده، واخترعوا مصطلح أسلوب الحياة “lifestyle” ؛ لوصف هذه القوالب المحددة.

قامت هذه الأبحاث بالأساس معتمدة على نظرية «ماسلو» في تدرج الحاجات التي تعد من أفضل النظريات التي غطت الحاجات الإنسانیة.

قام ماسلو بتقسيم الحاجات الإنسانیة إلى خمس فئات تنتظم في تدرج هرمي، بحيث يبدأ الشخص في إشباع حاجته بتدريج هذا الشكل الهرمي. 

وبعد أن أنهى معهد ستانفورد دوره في البحث قام الإعلام وشركات الدعاية بالتسويق للسلع بناء على هرم الحاجات، وصار بوسع الشركات استهداف الناس ودفعهم للاستهلاك مرة أخرى، من خلال حملات تسويقية تستهدف نماذج السلوك التي يتبعها الناس؛ ليشعروا بتفردهم واختلافهم عن الآخرين.

وسيطرت هذه الرؤية على المجتمعات الغربية سيطرة غريبة، فبعد أن كان المجتمع الغربي تقريبًا بنفس اللبس والهيئة وتصفيفة الشعر؛ أصبح كل واحد – تقريبًا – أصلاً لا نسخة له في الملبس والهيئة ،وظهرت شخصية «أنا حُرّ

المجتمع المشهدي والواقع

إن المجتمع المشهدي كما شهد تحوُّلا على مشهد السلع، فإنه شهد كذلك تحوُّلًا على مستوى التعامل مع الواقع، يقول «ديبور» لقد انحطت الحياة المتماسكة لكل فرد إلى عالم مشهديِّ ، هذه المشهدية للعالم تؤثر على الواقع، لأنها «تتجنب كل نشاط إنساني، كما تتجنب أيّ محاولة تصحيح من قِبل عمل البشر» ، لأن كل مايؤثر في حياة الإنسان في هذا المجتمع يتّم عرضه على صورة «مشهد» ، فالانتخابات«مشهد»، وخطبة الرئيس«مشهد»، والحادث الأليم «مشهد»، والحرب، والحب، والصداقة، والعائلة، والابتسامة، والبحار، والغابات، بل والفضاء «مشهد»، لايحتاج منك الأمر التحرك من مكانك للمشاركة، بل كل ما فاتك ستشاهده خلال المشهد، ولو فاتك المشهد يُمكنك مشاهدة الإعادة، حتى أصبحت أكثر أحلام الإنسان تطرُّفًا عبارة عن «مشهد» كذلك. 

وهذه المشهدية في الواقع تسلب الوجود الإنساني من التجربة الحقيقية والمعنى، ويصبح المشهد المرئي أكثر أهمية من الحقيقة المعيشة ذاتها، فالحياة تتحول إلى مشهد مرئيّاً لاروح فيه. 

وذلك كله يؤدي إلى إفراغ تدريجي للواقع من واقعيته، أو «تصحير» الواقع، هذا إن كان هناك يومًا يعرف بالواقع الخالص.

ومهما يكن من أمر، فإننا نعيش اليوم في مجتمع كيّفه الإعلام وفق رموزه وشيفراتهِ المشهدية، وأخطر ما في الأمر أن الإعلام اقتحم حياة الناس الخاصة، فقرضها شيئًا فشيئًا، وأحل مكانها حياة افتراضّية، تجعل من (المِثلية/زواجًا) ومن (الحرب /سلمًا) ومن (الحقّ/باطلًا) ومن (الكفر/إيمانًا).

لقد كان الإنسان في الماضي يستطيع أن يختار مايريد مشاهدته، والتفاعل معه من خلال التحرك الفعلي إلى مكان الحدث الذي يريد رؤيته. ومن ناحية أخرى فهو لا يستطيع الوصول إلى ما حدث في الواقع الا بطريقة من اثنين:

١ – المشاهدة بالعين

٢-نقل الخبر بطريقة يعلم الإنسان أنها لا تحتمل الكذب، فيصبح كالمرئي له.

وكل ما كان في درجة أدنى فلا يُمكن أن يحكم عليه واقع إطلاقاً. في كل الأحوال، فإن الاطلاع على الواقع يتّم من خلال قدرة الإنسان الوصول إليه بأقلِّ وسائط ممكنة.

أما الآن في وجود الصحيفة والشاشة، أصبح الواقع ينقل كأنه مشهد. 

بالتالي؛ فإن مايحدث أن العالم المشهدي يصبح العالم الذي يعيشه الإنسان، ولكن الصادم في الأمر أن المجتمع المشهدي الذي يصفه «ديبور» ليس الشكل النهائي للمجتمع، إنما تبقى أطروحته مرحلة تمهيدية لما يعرف باسم (فوق – الواقع) وهذه الأطروحة خاصة بـ ( جان بودريار)

هذه الأطروحة التي يقدمها (بودريار) في كتابه «المصنع والاصطناع»  تكمن في النظرة النقدية لعلاقة المجتمع الحديث بالواقع.حيث تحل النسخة التي هي (فوق الواقع) مكان الأصل (الواقع)، بيد أن (بودريار) يميز بين فوق الواقع والنسخة، من حيث إنّ النسخة تحافظ على علاقة مرجعيّة مع الأصل (فنسخة اللوحة لاتأخذ معناها الا من اللوحة) ، بينما فوق الواقع هو الأصل في ذاته، منفصلًا عن كل ماهو أصل.

ولأجل وضوح هذا المعنى نرجع إلى (دي سوسير) في تصوره للعلاقة بين(الدالِّ والمدلول) من خلال علم (السيميولوجيا) علم العلامات.

وهو لا ينصب اهتمامه على الدالِّ والمدلول بل للمسافة الفاصلة بينهما، هذه المسافة التي تظل باهتة لاتكشف عن معنى معين، فما هو الرابط بين الدالِّ (الشجرة) والمدلول (هذا الشكل المكون من جسم له ساق وفروع إلى آخر الصورة الذهنية الموجودة لدى السامع).

يؤكد (دي سوسير) على أن العلاقة بين الدالِّ والمدلول هي علاقة اعتباطية، يعني مثلًا كلمة (إرهاب) =دالِّ، لاتحمل مدلول مطلق، تحمل مدلول على حسب الصورة الذهنية ،هذه الصورة الذهنية ليتم تشويهها أو تصحيحها، فلابُدّ أن تتّم من خلال المسافة الموجودة بين الدالِّ (إرهاب) والمدلول، وهذه المسافة التي يدخل فيها الإعلام ليمحوا معالم الواقع ويستبدله بـ ( فوق الواقع).

فالإعلام يستطيع أن يتحكم في المسافة الموجودة بين الدالِّ والمدلول، وفي هذه الحالة يتّم عرض دالِّ (إرهاب) في الإعلام = مدلول: مجموعة من الصور الذهنية (القتل-العنف – دماء – تفجير – خطر- لحية – مسلم متطرف)

ومن هنا نستطيع أن نفهم ماقاله «أورويل» بأن (الحرب هي السلم) بمعنى : أن دالِّ الحرب= فيما نعلم مدلوله خراب ودمار قد يكون ضروريّاً ، وقد يكون عدوانًا غير مبرَّرٍ، إلى آخر الصور الذهنية، أمَّا من خلال الإعلام الغربي – مثلاً- فدالُّ الحرب = مدلول السلام المأمول، والحياة الآمنه بعيدًا عن خطر العدو النووي ، بينما الحقيقة أن الحروب الغربية هي من أبشع الحروب التي عرفها التاريخ وأبعدها عن السلام.

ولعل مايوضح الأمر أن معرفة الواقع على نوعين:

الأول : الأدوات التقليدية

الثاني : أدوات إعلاميّة (مشاهدة أو مقروءة)

فالأول يبقى واقعيّاً، أمَّا الثاني فهو الذي يتحول إلى«فوق واقعي» بالقدرة التي يمتلكها الإعلام، وهو الذي يعالجه بودريار

الأزمة ولعبة الواقع

«إن السلطة تلعب لعبة الواقع، لعبة الأزمة، لعبة إعادة صناعة رهانات اصطناعيّة اجتماعيّة واقتصاديّة و سياسيّة»

كما يقول «بودريار» إن الهستيريا المميزة لعصرنا: هستيريا إنتاج وإعادة إنتاج الواقع

ومن أقوى الأمثلة التي ضربها «بودريار» على إعادة إنتاج الواقع ماذكره من الهولوكست، أنه لم يكن من الضروري التضحية فعليّاً باليهود للاستيلاء العالمي على عاطفة الشفقة تجاه الجنس اليهودي، بل كان يكفي أنّ نمررهم على شريط تسجيل الصوت والصورة، أو على شاشة، أو في شرائح الحاسوب، والعالم كله تأثر وانتحب إزاء هذه الإبادة، والإشارة إلى أن هذا «لن يتكرر»

ولكن ما لم يلاحظه المشاهد الذي يتعامل مع (فوق الواقع) بدون وعي أن ماعرضت من أجله الهولوكست – أيّ: الإبادة – كان الغرض منه أن لاّ تتكرر ثانية، ولكن مايحدث في الحقيقة أنه الضحايا في الهولوكست – اليهود- يقومون على أرض الواقع يوميّا بإبادة أعداد لم يتخيلها هتلر في أشد أحلامه تطرفًا، ومع ذلك لا أحد يشفق، ولا أحد يهتم، لماذا؟

“:إنّه بالفعل وضع معقد، ولكني سأحاول توضيحه كما هو”

إن الهولوكست في الأصل ليس حدثًا تاريخيّاً يوجد في الأدلة مايكفي لإثبات وقوعه، ولكنه حدث ذو طابع دراميِّ متلفزٍ، تمَّ عرضه على العالم على أنه واقعٌ، في حين أنّه (فوق – واقع) بما تحمله الكلمة من معنى، ومع ذلك كان رد الفعل العالمي هو التأثُّر بهذا الحادث المؤلم لبني يهود، والتأكيد أنَّ الإنسانيَّة لن تسمح بحدوث مثل هذا أبدًا، ولكن مايحدث يوميًا من بني يهود على أرض فلسطين بقي محبوسًا على أرض الواقع فقط، أمَّا في (فوق الواقع) ؛ فإنَّ مايعرض أنَّ اليهود لهم الحق في بناء مستوطناتهم على الأراضي الفلسطينية، وهذا حق أعطاه العالم لهؤلاء المساكين المشردين وأنَّ من يقاومهم إرهابيون لا يدينون إلاَّ بالعنف، واختصارًا لما سبق؛ فإنَّ الهولوكست التي لم تقع وقعت، والمذابح والمحارق اليومية في فلسطين التي وقعت ولا زالت تقع لم تقع! إنّه بالفعل وضع معقد.

المجتمع الافتراضي

:من الممكن تعريف المجتمع الافتراضي على أنَّه: (جماعة من البشر تربطهم اهتمامات مشتركة، ولا تربطهم بالضرورة حدود جغرافيَّة، أو أواصر عِرقيَّة أو قَبليَّة أو سياسيَّة أو دينيَّة، يتفاعلون عبر وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، ويطوِّرون فيما بينهم شروط الانتساب إلى الجماعة، وقواعد الدخول والخروج، وآليات التعامل، والقواعد والأخلاقيّات التي ينبغي مراعاتها)

مراحل تطوُّر المجتمع الافتراضي

تسعى المجتمعات الافتراضية من خلال هذه المراحل إلى الشعور بالمجتمع والجماعة، وهذه المراحل

belonging) ١- الشعور بالانتماء إلى جماعة من خلال عُضويَّتها، ومتابعة مايحدث فيها وسهولة التعامل مع أفرادها وأحداثها

(influenc /impact) ٢ – الشعور بالقدرة على التأثير، وكذلك التأثُّر بما يحدث في ذلك المجتمع

٣- تبادل الدعم ، وإشباع الحاجات النفسيَّة والشعوريَّة، والارتباط الوجداني بأفراد المجتمع من خلال تبادل التهاني (support) والتعازي، والمواساة، والنصيحة، وما إلى ذلك

(Available)٤- الحضور والتواجد… و ينتهي هذا الشعور بالتواجد في الواقع الافتراضي والعزلة عن الواقعي

(Trust)٥- الثقة؛ لايستطيع الفرد أنَّ يشعر بالانتماء إلى مجتمع أو جماعة لايثق في أحد من أفراده

غايات المجتمع الافتراضي 

من المُمكن أن تكون غايات المجتمع الافتراضي تمامًا كغايات الواقعي: «الدينيَّة (كالدعوة) – التجاريَّة – السياسيَّة – التعليميَّة – الترفيهيَّة – الوهميَّة – العاطفيَّة»

عندما تشابهت الغايات بين المجتمعين سعى العلماء إلى التعرف على السبب الذي قد يدعو الفرد ليستبدل هذا بهذاك. 

سمات المجتمع الافتراضي 

من أهم سمات المجتمع الافتراضي الانتهاء بالعزلة والانفراد على الرغم من الوعود الدائمة بالانفتاح على العالم

النتيجة من تطور المجتمع الافتراضي : الوصول إلى الانقطاع الجزئي عن العالم الواقعي بالتدريج إلى أن يصل إلى حدّ الانفصال التام، كما هو حال الكثير وليس البعض.

ومن السمات التمرد على العادات الحميدة، والتقاليد الأصيلة، والأعراف المميزة للمجتمع عن غيره، والقيم، والعائلة، والدين، والأخلاق، ففي المجتمعات الافتراضية : لا قانون ولا رقابة !

من بين سماته أيضًا تفكيك الهُّوية الاجتماعية والدينيّة والوطنيّة ، وأكثر من ذلك تفكيك الهُّوية الشخصيَّة، فمن الممكن أنَّ ينشئ حسابًا لامرأة والعكس، أو بأسماء مستعارة، أو أكثر من حساب لنفس الشخص، ولكل مجتمع ينتسب إليها له شخصية مختلفة.

Facebook يقول الدكتور «محمد مزيد» :”يبدو أنَّ الثقافة الإنسانیة تنتهي حين تبلغ عصر كتاب الوجوه

Show yourself إلى تكريس «مبدأ «اعرض نفسك

Know yourself «بعد أن ظلَّ المبدأ الاغريقي «اعرف نفسك

– كما تقول كريستين روزين (٢٠١٧م) – يترواح هذا العرض بين عرض الإنجازات المهنيَّة والعلميَّة، إلى عرض الأفكار والإقتراحات والرُّؤى، وعرض المواهب الأدبيَّة والفنيَّة إلى عرض الخدمات والسلع، ثُمَّ إلى عرض بل استعراض الجسد حين تكون الغاية اصطياد الفرائس البشريَّة من الجنسين، وقد يكون من غايات العرض تحقيق النجوميَّة والمكانة، أو إشباع رغبات نرجسية، والاحتفاء بالذات ومنجزاتها، لاتثريب على من يُريد أن يصل النجوميَّة أو أن يجني الثناء «فحُبُّ الثناء طبيعة الإنسان » وليس المقام مقام إصدار أحكام أخلاقيَّة، بل مقام ملاحظة ووصف يبقى في أفضل حالاته منحازًا ومنقوصًا”

واخيرًا

لاتوجد حروب في العالم تُهدِّد حياتَنا اليوم غير تلك التي تدور بداخلنا! ولا تُوجد مأساة عظيمة في العالم سوى حياتنا اليوميَّة، نحن الجيل الذي تربَّى على التلفاز معتقدين أننا في يوم من الأيام سنكون أثرياء، أو نجوم أفلام، أو من مشاهير العالم، ولكن يبدو أننَّا لن نكون، نحن نتعلم هذه الحقيقة ببطء، ونحن بالفعل في حالة غضبٍ شديد

[(Fight clup) تشاك بولانياك كاتب رواية]

«إنّ لم تكن حذراً؛فإنَّ الصحف ستجعلك تكره المقهورين، وتحب أولئك الذين يمارسون .القهر..» [الحاج مالك الشباز]

شاركنا رأيك

التعليقات

اقرأ أكثر:

هل القصة شخصيات، أم أحداث؟

الكثير من كتّاب القصص والقرّاء -على حدٍ سواء- يصبون اهتمامهم على أحداث القصة، بينما العنصر الذي يتملّكهم ويجذبهم في الحقيقة هو الشخصيات، وصراعهم داخل...

الحضارة والرمز الأولي

كثيرًا ما يرد لنا مفهوم «الحضارة» فما هي الحضارة؟ وما  أطوارها؟ وكيف تقوم وتنمو وتتدهور؟وما أثر الشعوب عليها؟ نهدف في هذه المقالة إلى الإجابة...

ما القيمة من الكتابة؟

توجد لدينا فكرتان متعلقتان بالكتابة تعلمناها ونحن صغار، ولكن هاتين الفكرتين أثرت علينا سلبيًا كبالغين عندما نقرر كتابة أي نص، علميًا كان أم أدبيًا...

آخر المنشورات