ابحث هنا

فهم علم الأعصاب المغذي للتفكير الإبداعي يجعلنا أكثر إبداعًا

تشغيل الحلقة
تصميم فيكتور آند رولف (مجموعة الهوت كوتور) لخريف-شتاء 2017-2018
لآلاف السنين قامت الطيور ببناء أعشاشها، والعناكب شبكاتها، والقنادس سدودها بالخطى ذاتها. لكن البشر ليسوا كذلك، فنحن لا نُغيّر قليلاً، بل نُعيد صنع الأشياء بالجملة:”المنزل الذكي“اليوم، بأجهزتهِ المتصلة بالإنترنت، لايشبه المنازل في الماضي. قدرتنا على الابتكار  فريدة من نوعها عن بقيَة الكائنات
مقتبس من الأنواع الجامحة كيف يعيد الإبداع البشري تشكيل عالمنا بواسطة أنتوني براندت و ديفيد ايجلمان

لكن ما سّرُ إبداع البشر

هناك قوة معالجة لأدمغتنا، بينما يحتوي دماغ النحلة على مليون خلية عصبية، يمتلك دماغ الإنسان مائة مليار خلية عصبية، تمنحنا ذخيرة أكبر من السلوكيات، إضافةً إلى ذلك، يختلف تنظيم أدمغتنا عن أدمغة الحيوانات؛ فالأخرى متشددة، وسلوكها الغريزي ناتج عن مسارات عصبية ثابتة

أما دماغ البشر فأدى التوسع الهائل في قِشْرَةِ المُخّ وحملهِ مساحات شاسعة من الخلايا العصبية إلى تكوين روابط مرنة بين أجهزة الإحساس (ما الذي يحدث؟) وجُهد الفعل(١) (هذا ما سأقوم به) – ومرونة تعاون هذهِ الخلايا، مكّنت لنا النظر في الموقف، تحليله والتفكير ببدائل مختلفة ثم اِتِّخاذُ قرار في النهاية. نقضي جُلّ حياتنا بالأحياء العصبية -الإحساس والفعل- وهذا هو ما يجعلنا واسعي الحيلة.

أدمغتنا مُتعطشة للطاقة فعالة و نشطِة، تحرق خُمس السعرات الحرارية التي نستهلكها في اليوم وعندما يعتاد دماغنا على شيءٍ ما، يعرض استجابة أقل فأقل في كل مرة يراها – وهي ظاهرة” كبت التكرار“ و التي تعني أنه إذا كان الشيء مألوفًا، قلّ استهلاكهُ للطاقة العصبية.

لكن هناك مشكلة في انعدام المفاجأة؛ يقّل جُهد التفكير، تتولد ألفة من الركود، يبدأ قمع التكرار ويقل انتباهنا. يرتبط نظام الناقل العصبي المسؤول عن المكافأة بمستوى المفاجأة؛ فالمكافآت المُقدمة بأوقات منتظمة متنبأ بها فنشاطها أقل مقارنةً بالمكافآت المقدمة بأوقات عشوائية وغير متوقعة.

تسعى العقول لتحقيق التوازن ما بين استغلال المعرفة التي حصدنا واكتشاف مفاجآت جديدة

{انتظام المعلوم، ارتباك المجهول}

نعيش صراع دائم بين الروتين والحداثة، التوتر المتوازنمقايضة الاكتشاف/الاستغلال ومعادلته ما بين المرونة والصرامة؛

الإبداع يكمن في هذا التوتر

وأيضًا لأن الخلايا العصبية متصلة مترابطة، فإننا نمتلك خفة في الحركة العقلية لا تمتلكها الأنواع الأخرى، وهي ما تجعل سلوكنا قادر على تحديد المداولات وليس الأتمتة(التشغيل الآلي) والنظر في الاحتمالات المستقبلية، وهذا جزء كبير من سحر الأدمغة البشرية؛ نحاكي بلا هوادة ماذا لو؟

يعتبر التفكير “ماذا لو” جزءًا كبيرًا من تجربتنا اليومية يكشف ستار التمرين الخيالي، نتكهن بلا نهاية وغالبًا ما نقضي وقتًا أطول في الافتراضات من الواقع الحقيقي، من السهل لنا فهم المحاكاة والقيام بها

إذا كنت قد توليت تلك الوظيفة، فإنك ثريًا الآن”

إذا ترك الحارس المرمى، كان الفريق رابح”

فالأمل شكل من أشكال التخمين الإبداعي: نتخيل العالم كما نرغب أن يكون، وليس كما هو.

وأخيرًا لطبيعة الدماغ الاجتماعية أثر على الإبداع لدى البشر -قمع التكرار عدو العلاقة الدائمة-، هناك حلقة فاصلة بين قدرتنا على توليد ماذا لو وحاجتنا إلى التعامل معًا، فنحن نترابط ليس من خلال الاتصال الجسدي فحسب، ولكن أيضًا من خلال ابتكاراتنا – نحصل على الاهتمام من خلال مفاجأتنا للآخر- هذا ما نريد فعلهُ لبعضنا البعض، وهذا ما نسعى إليه جميعًا، كل واحد منا يشغل برنامجًا للإبداع يأتي مصحوبًا بكونك إنسانًا، ولنحقق إفادة من هذه القدرات، فهذه أربعة جوانب تنمي الإبداع البشر

زراعة العقلية الإبداعية

١-اجعل الماضي نقطة انطلاق

لا يتكون الإبداع البشري من فراغ: فهو یُعيد تشكيل ما تعلمناه وخبرناه، جيلاً تلو جيل، نحفر عميقًا في جرف التاريخ بحثًا عن مواد خام للغد

على سبيل المثال كان جهاز آيبود مبنيُا على مخططات منشأة قبل ربع قرن من قبل المخترع البريطاني كان كرامر، طورت رؤية كرامر في نفس السنة مع (سوني ووكمان)

وهو مشغل كاسيت محمول، ينحدر من أول مسجل صوتيّ عبر التاريخ، مسجلات (شريط البكرة المفتوحة) كل شيء يتكون من سلالة، وبفضل تململ الأدمغة البشرية، لا نبدأ فقط في تحسين النقص؛ بل نتلاعب بالأشياء التي تبدو مثالية بالفعل، مثل ما رسم بيكاسو نسخًا تكعيبية من لوحات فيلاثكيث و مانيه لانها أعجبته.(٢)

حتى في الأشياء التي نعتقد بأنه لا يمكن إحراز تقدمًا عليها، مثل كمان ستراديفاريوس ليس بالضرورة الكمان الأمثل النهائي: يقوم صانعو الكمان بتطوير أدوات من ألياف الكربون أقل عرضة للتآكل مع نغمة يمكن تخدع الخبراء(٣)

لذا فإن الدرس الأول للعقلية الإبداعية هو: أن يكون الماضي موضع تقدير، لكنه ليس بمنأى عن المساس، يوفر مخزن المعرفة والخبرة غذاء للإبداع، يمكن وضع أي شيء من هذا المخزن على طاولة العمل.

٢-زد خياراتك

سواء كان ذلك ارتجالاً رائعًا لموسيقى الجاز ليلة بعد ليلة على مستوى معياري، أو نموذجًا معماريًا متكررًا تلو الآخر لمبنى، أو عالِمًا يجري تجربة بعد تجربة، فإن خيارات التكاثر هي حجر الزاوية في العملية الإبداعية.

أدمغتنا غابة متجذرة، داخل تلك الغابة تتعزز بعض الاتصالات، مما يخلق مسارات أقل مقاومة، تتشكل العادات وتتبادر الإجابات الجاهزة إلى الذهن، من أجل تكاثر الخيارات، تحتاج أدمغتنا إلى الإبتعاد عن المسار الأقل مقاومة والوصول إلى شبكاتها على نطاق أوسع

يعني هذا عدم الاكتفاء بالحل الأول الذي يتبادر إلى الذهن ، بل البحث المستمر عن المزيد، تحقيقًا لهذه الغاية، وضع توماس إديسون حصصًا لأفكار فريقه.

قال الفيزيائي ريتشارد فاينمان أن مفتاح قدراته على حل المشكلات هو البحث المستمر عن أكبر عدد ممكن من الطرق للوصول إلى إجابة صحيحة الدرس المستفاد هنا: عند مواجهة مشكلة ما، لا تقدم حلاً منفردًا، بدلاً من ذلك أنشئ مجموعة كاملة من الحلول.

٣-تحمّل المخاطر

يتطلب الإخراج الإبداعي عادةً العديد من المحاولات الفاشلة، انظر في التاريخ البشري، تتجذر الأفكار الجديدة في البيئات المتسامحة مع الفشل، ضع في اعتبارك مكنسة دايسون الكهربائية: استغرق الأمر من جيمس دايسون ٥١٢٧ نموذجًا أوليًا و ١٥ عامًا لإبراز النموذج لأول مكنسة كهربائية بدون كيس تم طرحها في السوق أخيرا.

بالإضافة إلى الوقت الذي يستغرقه الحصول على الفكرة الصحيحة، يمكن للجمهور أيضًا أن يقول لا، الثقافة الإنسانية مليئة بالأفكار التي رفضها الجمهور وأصبحت في طي النسيان، هل يتذكر أي شخص البيانو الخرسانية الذي صممهُ توماس إديسون؟ كان من المفترض أن يكون ميسور التكلفة، لكن الجمهور لم يكن مهتمًا بصنع موسيقى باستخدام لوحة مفاتيح تزن كثيرًا.

وماذا عن سيارة إدسل فقد تميزت بميزات تنافسية مثل أحزمة المقاعد القياسية، وأضواء التحذير لمستوى الزيت وارتفاع درجة حرارة المحرك، ونظام نقل الحركة المبتكر بضغطة زر لتغيير التروس، مع ذلك، كانت السيارة موضع سخرية على نطاق واسع، تشير التقديرات إلى أن شركة فورد للسيارات خسرت ٣٥٠ مليون دولار في ثلاث سنوات فقط.

بالرغم من هذهِ الإخفاقات، استمر إديسون وفورد بالعمل وحققوا نجاحات لا حصر لها؛ و ذلك بسبب تحمّلهما الشديد للمخاطرة.

٤-استكشف المسافات المختلفة

أنت لا تعرف أبدًا ما يحتاجه العالم وكيف سيتلقاه، بدلاً من البقاء على مسافة ثابتة من معايير المجتمع، تتمثل الاستراتيجية المُثلى في توليد مجموعة من الأفكار، بعضها يظل أقرب إلى المنزل بينما يطير البعض الآخر بعيدًا

على سبيل المثال، يصنع مصمما الأزياء «فيكتور آند رولف»(٤) ملابس منزلية وملابس للاجتماع، مع تجربتهم لتصميم أزياء راقية بمنحوتات مميزة وتصاميم أخرى غير تقلیدیة، وبالمثل أنشأ المصمم الصناعي نورمان بیل جیدیس فهرسًا كبيرًا من المنتجات التجارية الناجحة، بداية من الأفران والثلاجات إلى أجهزة الراديو وأواني الأطباق والأثاث، مع تصورهُ السیارات الطائرة والمنازل الخالیة من الجدران التي يمكن أن تتراجع مقسمات الغرف مثل أبواب المرأب (أبواب الكراج)، كما قام ليوناردو دافشني بتحسين أقفال القناة في ميلانو وصمم أيضا مظلة جيدة قبل وقت طويل من الطيران الشراعي

أما عن شركات تصنيع السيارات فإنها تعمل باستمرار في ترقية طرازات اليوم، مع ابتعادها عن التكنولوجيا الحالية :تصور مهندسو (مرسيدس بنز) مركبة قابلة للتحلل الحيوي نمت بالكامل من البذور(٥)

وأخيرًا شركة لويز لتحسين المنزل مع تطوير منتجاتها الحالية لديها طاقم من الخيال العلمي تتمثل وظيفته في تصور أسر المستقبل

لذلك عند تكاثر الأفكار، من المهم ألا تبقى على مسافة ثابتة من المألوف، من غير المرجح أن يحقق الشخص الذي يتلاعب بالفن السابق منتجًا فائقًا، من ناحية أخرى، قد لا يطور الشخص الذي لا يختبر سوى آلات الزمن الكفاءات لبناء أي شيء ناجح، من المهم أن ندرب أنفسنا على استكشاف الامتداد الشاسع من الاحتمالات القريبة إلى الاحتمالات البعيدة، هذا التنوع في المناهج يزيد احتمالات ابتكار شيئًا من شأنه أن يهبط بنجاح.


المراجع .

[1]يسمى أيضًا كامن الفعل وهو الموجة المتشكلة من التفريغ الكهربائي لتوتر الغشاء الخلوي، وتنتقل من منطقة لمنطقة عبر الغشاء المصدر الخلوي. هذا الانتقال لكمون الفعل يسمى السيال العصبي ويلعب دورًا ويلعب في نقل المعلومات على مستوى الخلايا والأعصاب، كما يشكل الأساس الحيوي لانقباض العضلات. يقاس كمون الفعل بوحدة فولط لأنه تأثير فرق. جهد كهربي.ويكيبيديا

[2] ديغو فيلاثكيث، رسام إسباني (1660-1599) من لوحاته الشهيرة لاس مينيناس وتعرف بالوصيفات

ولوحة أسطورة أراكني والمعروفة بالغزّالات (العاملات بمصنع الغزل).للمزيد

(Old Woman Frying Eggs (1618) ،The Adoration of the Magi (1619و، Mother Jeronima de la Fuente (1620).

دوارد مانيه، رسام فرنسي يعتبر أحد رواد المدرسة الانطباعية، من أشهر رسماته: غداء على العشب-

[3]الإيطالي أنطونيو ستراديفاري صانع أغلى وأجود كمان في العالم، كمانه الشهير“ المسيح“، الذي صنعه أثناء“ الفترة الذهبية“ في سنة ١٧١٦ .لم يعزف عليه قط وتبلغ قيمته التقديرية ٢٠ مليون دولار. معروض حاليًا في متحف أشموليان في إنجلترا، لم يباع حتى الآن ولكن إذا تم بيعه سيكون أغلى كمان في العالم على الإطلاق

[4]التقى المصممان فيكتور هورستينج و رولف سنورين كطلاب في أكاديمية أرنهيم للفنون والتصاميم. فازوا بمسابقة المواهب في المهرجان الدولي للأزياء والتصوير الفوتوغرافي في ھييريس وتم استدعائهم إلى المسرح باسم “فيكنور آند رولف” في عام 1992 ،أسسا شركتهم التي تحمل الاسم نفسه

[5]السيارة تم تصميمها في مكاتب الشركة في لوس أنجلوس، صنعت السيارة من مادة خفيفة اسمها بيو-فايبر وهي مادة عضوية. تذكر مرسيدس بأنها أخف كثيرا من المعادن والبلاستيك وأقوى من الفولاذ أما عن الوقود فتستخدم السيارة وقوداً عضويا عبارة عن مادة خاصة تنتنج بواسطة أشجار معدلة جينيا تجمع الطاقة الشمسية وتحولها لوقود ثوري. كما أن مخلفات هذا الوقود العضوي هو أكسجين صافي. تتكون السيارة من بذرتين رئيسيتين أحدهما لجسم السيارة الخارجي والأخرى لجسم السيارة الداخلي وتزرع الإطارات بواسطة بذور أخرى.

.

شاركنا رأيك

المزيد

آخر المنشورات

ترجمات