ابحث هنا

سلسلة الفن (٢): الأزمات في تاريخ الفن

تشغيل الحلقة

الأزمات في ذاكرة الفن 

قام الرسام الألماني (إرنست لودفيغ كيرشنر) أثناء الحرب العالمية الأولى برسم بورتريه لنفسه يظهر فيه في مرسمه مرتديًا زيًا عسكريًا ويده اليمنى مقطوعة، معبرًا بذلك عن أن الحرب حرمته من الإبداع.

الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة” – بيكاسو

لطالما كان الفن هو الشاهد على الأحداث والصراعات والتطور، منذ رسومات الكهوف وحتى الفنون الحديثة.

إلا أنه أصبح يميل للغاية الجمالية التي لا توثق الحدث بشكل مباشر إنما تعبر عنه بشكل إبداعي، وهذا المقصود بأنه الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة.

فأكثر ما يخشاه الإنسان هو أن يرحل دون أثر، لذلك يشعر دائمًا بحاجة لتوثيق مآسية وأفراحه والتعبير عنها من خلال الفن، فذاكرة الفن أقوى وأكثر بقاءً وصدقًا.

الفنان الفلسطيني (اسماعيل شموط) مثلًا، شهد تجربة الاحتلال كاملة، وكان لها أثرًا مباشرًا على توجهه الفني، فاختار النضال بالفن، ووثق بأعماله معاناة الحرب.

ورسم لوحة بعنوان (العطش على طريق التيه) يوثق فيها وفاة أخيه الأصغر عطشًا بسبب التهجير القسري لعائلته من قوات الاحتلال.

وتأخذنا الأوضاع الحالية للعالموالتي وضعت بصمتها كذلك في ذاكرة الفنلأزمنة الأوبئة من خلال لوحة للفنان الهولندي (بيتر بروغيل) عام ١٥٦٢م بعنوان (انتصار الموت) تمثل الصراع بين الموت والحياة، والذي ينتصر فيه الموتكما رمز له بالهياكل العظميةكتعبير عن وباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا في ذلك الوقت.

وفي ظل أزمة كورونا أطلق الفنان اللبناني (شوقي دلال) مشروعًا فنيًا يؤرشف فيه بلوحاته المدن العالمية التي هُجرت ساحاتها جراء الحجر الصحي المفروض.

بين الفن والأزمات علاقة وطيدة منذ الأزل، فرغم القول أن الأزمات عادة ما تكون مقبرة الفنون إلا أنها تشكل حافزًا مهمًا للفنان (فأحيانًا من رحم المعاناة يولد الإبداع)، كما تشكل الأزمة مادة خصبة للفن بعد انتهائها، فحتى الآن مازالت الفنون السينمائية والأدبية والتشكيلية وغيرها تتناول موضوعات كالحرب العالمية، والاستعمار واغتيال الرئيس جون كينيدي رغم مضي سنوات طويلة على حدوثها. 

وأحيانًا يتجاوز التأثير كونه محورًا لموضوعات الفن ليؤثر على شكل الفنون للأبد.

فبعد الحرب  العالمية الأولى ظهرت حركات فنية جديدة كنوع من التمرد على الفن التقليدي، وكانت تمثل رد فعل من الفنانين على العنف والآثار المدمرة التي خلفتها الحرب، فالحركة الدادائية مثلًا كانت تدعو لفن (بلا معنى) كتعبير عن العالم الذي صنعته الحرب.

وبدأت بوقوف الشاعر الألماني (هوغو بال) على المسرح وإلقاء قصيدة غير مفهومة أشبه بالثرثرة، ثم أقام الفنانون معارض ومسرحيات بنفس الفكرة.

ومثلت الدادائية والحركات الفنية التي تلتها بداية عصر الحداثة في الفن.

وكما تؤثر الأزمات على الفن يؤثر الفن بدوره عليها أيضًا، فقد يشعر الفنان أن الفن هو سلاحه الوحيد، كما فعل الأديب غسان كنفاني وقاوم الاحتلال بقلمه مما أدى إلى اغتياله. وكما لم تخلُ الحروب والثورات عبر التاريخ من الأغاني والأهازيج الثورية التي مازالت مرتبطة بها في ذاكرتنا؛ فأغنية (بيلا تشاو) التي كانت وليدة المقاومة الإيطالية ضد الفاشية أصبحت رمزًا للمطالبة بالحُرية حول العالم.

حتى أنه إيمانًا بتأثير الفن نشأت حربًا ثقافية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة، أحد أشكالها هو استغلال الحكومة الأمريكية للإنتاجات الأدبية الروسية الممنوعة من النشر ونشرها في بلد العدو بسرية لتحريض الشعب.

في ٢٠١٨ قدم الفنان (أولافور إلياسون) المهتم بالبيئة والعالم الجيولوجي (مينيك روزينغ) مشروعهم الفني بعنوان (ice watch) الذي تقوم فكرته على استخراج القطع الجليدية الذائبة من الجبال الجليدية في جرينلاند وعرضها في لندن، وجَعْل الناس يشهدون تجربة حية لذوبان كتل الجليد، في محاولة منهما لرفع الوعي بتغيرات المناخ وآثارها على كوكبنا.

يقول إلياسون عن هذا العمل: من خلال تمكين الناس من تجربة كتل الجليد ولمسها فعليًا، آمل أن نربطهم بمحيطهم بشكل أكثر عمقًا ونلهمهم للتغير الجذري

وهنا تظهر الفنون من قلب الحدث وتؤثر عليه، أو على أقل تقدير تقدم فسحة جمالية للناس بعيدًا عن مآسيهم، فالفنان الفرنسي (جان آرب) الذي عاش حقبة الحرب العالمية كان يؤمن بدور الفن في شفاء الجروح، وقال: بينما كانت أصوات المدافع تدوي بعيدة، كنا نبحث عن فن يستند على الأسس لنداوي به جنون العصر

ربما يكفي للفن أنه يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية على حد تعبير بيكاسو، ليصل للغاية الأسمى والتأثير الأكبر.

شاركنا رأيك

المزيد

آخر المنشورات

بودكاست وقتالحلقة 2