ابحث هنا

الفن (٤): الاستاطيقا الجمال والفن بعين الفلسفة

تشغيل الحلقة

الاستاطيقاالفن والجمال بعين الفلسفة

يقول هِيراقْليطُس: “الجمال هو الانسجام الذي يُنظم الكون في ظل الصراع الدائم بين الأضداد فيه

ويقول جون ديوي: “فكرة الفن هي أعظم إنجاز للبشرية

فماهي فلسفة الاِستاطيقا ؟ وما علاقتها بالفن ؟

علم الجمال هو علم حديث النشأة عرّفه الفيلسوف (ألكسندر بومكارتن) بأنهعلم التعرف على الأشياء من خلال الحواسوأطلق على لفظ الاستاطيقا أو Aesthetics

الجمال موجود حولنا في جميع التفاصيل، وهو مسألة فطرية فالنفس تميل لكل ما هو جميل ، ولا خلاف على ذلك.

والجمال ليس فقط ما ندركه بحواسنا بل ما يلامس أرواحنا، والحكم عليه يختلف بحسب عدة عوامل منها ثقافة الفرد والقيم الأخلاقية في المجتمع والأراء الفكرية وأيضًا الرغبة أو العاطفة. 

فعندما نقييم الطبيعة مثلًا لا نعتمد فقط على المنظر الجميل الذي نراه بل على الإحساس بالراحة والسكون الذي يرافقنا .

والفن يلتقي مع الجمال في هذه النقطة، فهو يحقق للإنسان اللذة الحسية والروحية.

فتمثل الموسيقى مثلًا أصعب مشكلات الفلسفة مع الفنون، فكون النص يعبر عن حالة حزن مثلا هو أمر طبيعي، لكن كيف يمكن لمقطوعة موسيقية بدون أي كلمات أن تنقل هذا التعبير العاطفي ؟ 

ورغم أن الإنسان اهتم بالفنون منذ القدم إلا أنه لم يدرسها فلسفيًا إلا متأخرًا .. من خلال علم الجمال .

فالفن في جوهره هو تعبير الإنسان عن ذاته تعبيرًا جماليًا .

لكن؛ متى نقول عن شيء أنه جميل؟ ولماذا يميل الإنسان للجمال؟ وهل هناك شيء جميل بذاته؟ هل توجد معايير ثابتة للحكم على الجمال؟ و ماقيمة الفنون أصلًا؟ 

أسئلة كهذه كانت الأساس لفلسفة الجمال والفن.

يعتقد الفيلسوف إيمانويل كانْت: أن القضية الجمالية قضية ذوقية مرهونة باللذة والألم، فالشيء الجميل يجب أن نراه جميلًا بدون أي نفع خارجي، فلا يمكن أن يكون هناك غير المعيار الذاتي، رغم أن أحكام الذوق أيضًا تتسم بالحس المشترك بين البشر.

كما يبدو الأمر مشابهًا عند جورجياس الذي يؤكد دور الفن في التأثير على إحساس الإنسان، وترتبط القيم الجمالية عنده باللذة الحسية، وهذا مايجده سقراط نوعًا من التدهور الفني الأخلاقي.

فسقراط يحكم على الفن بمعيار أخلاقي وليس بمعيار اللذة الذي يفصل بين الخير والجمال.

فيرى أن للفن وظيفة أخلاقية تخدم الحياة الإنسانية، والحكم على الجمال يكون بتحقيقه هذه الغاية الأخلاقية العليا .

أما (جون دِيوِي John Dewey) والذي يُعتبر من أهم المساهمين في فلسفة الجمال فيربط الفن بالتجربة، فالعمل الفني من وجهة نظره ليس هو القطعة المادية بذاتها بل ما تفعله داخل تجربة ما، فلا يجب أن نفصل العمل الفني عن محيطه وتجاربه.

ويقول: أن الوضع الكلاسيكي للعديد من الأعمال الفنية يعزلها عن الظروف التي ظهرت فيها وبالتالي عن وظيفتها التجريبية.

فالفن ينبع من الحياة البسيطة، فما يمثل الحياة اليومية للناس كالموسيقى والأفلام والأدب هذا هو الفن ، أما وجوده في المتاحف فهذا يبعده عن التجارب الحقيقية.

حتى أنه منذ القدم ارتبطت فنون مثل الرقص والموسيقى وحتى العمارة بالطقوس الدينية للثقافات الشعبية وليس بالمسارح والمتاحف.

لذلك يفشل الفن التشكيلي من وجهة نظره في جذب الجماهير عندما يكون بعيدا عن الحياة اليومية لهم.

ويفسر ديوي عدم تكامل حياتنا الثقافية بمقاومة الناس لفكرة الربط بين الفنون والحياة اليومية، و اعتبار أن الدين والسياسة والأخلاق والفن مجالات منفصلة.

فبالنسبة لديوي نحن نستجيب للفن بسبب ارتباطه بالتجربة الثقافية والطبيعية .

الفيلسوف الأمريكي (مونرو بيردسلي Monroe Beardsley) كان يتجنب لفظ (عمل فني) إلى حد كبير لأنه على حد قوله لم يحب أن يتورط في مسألة تعريف الفن .

ورغم أنه ضد لفظ (عمل فني) إلا أنه يشترط فيه أن يكون قادرًا على توفير تجربة ذات طابع جمالي ملحوظ.

بمعنى إنه يجب أن يتفق عدد من الناس على ذلك.

فهو يرى أن العروض التقديمية للعمل الجمالي هي المؤشرات الحسية لفلسفة الجمال .

وهذا لا يحصر العمل الفني في العرض إنما يحول النقد من أن يكون حول العمل الفني نفسه إلى نقد العرض والتجربة لهذا العمل .

مثلًا عندما نتحدث عن مسرحية كلاسيكية عُرضت آلاف المرات على مئات المسارح في العالم فنحن نقييم أداء معين في كل مرة (نقييم التجربة) وهذا ينطبق على جميع الفنون بدرجات متفاوتة.

فأحيانًا القطعة الفنية الواحدة يكون لها العديد من الإنتاجات، وكل إنتاج يمكن أن يقدم الكثير من العروض وحتى أن كل عرض يمكن أن يختلف الأداء الفردي فيه عن الآخر.

إلا أن هذه الفروقات تتلاشى إلى حد ما في بعض الفنون، مثل الرسم.

نأتي لهيجل الذي أثارت فلسفته جدلًا واسعًا.

بالنسبة لهيجل الجمال هو التعبير الحسي لحرية الروح، والغرض من الفن هو خلق الأشياء الجميلة التي تعبر عن الحرية.

وفنون مثل الموسيقى والشعر تمثل فلسفة هيجل في الربط بين الروح والفن أكثر من غيرها كونها تتخطى الأبعاد الحسية ولا تكون حبيسة للشكل المادي.

ستبقى مسألة الفن والجمال محط تساؤلات مابقي القلب يهوى الإبداع والنفس يحركها الفضول .

وربما ليس الجمال في آخر الأمر إلا انعكاسًا لما بأنفسنا .

جورجياس ربط الجمال والفن باللذة، كما ربطه سقراط بالأخلاق وديوي بالتجربة وهيجل بالحرية .

فبماذا يرتبط الجمال بالنسبة لك وكيف تقدّر القيمة الجمالية للفن ؟ 

أو ليكن السؤال ما هي الاستاطيقا الخاصة بك ؟ 

إعداد: عهود هلابي
إلقاء: روناء
معالجة صوتية: سارة الحمد
بودكاست وقت على تويتر: @podcastwaqt

شاركنا رأيك

المزيد

آخر المنشورات

بودكاست وقتالحلقة 4