ابحث هنا

أدب (٥): الألم شيء حسن تألم

تشغيل الحلقة

تُرى أينَ قرأتُ أن رجلاً محكوماً عليهِ بالإعدامِ قد قالَ قَبْلَ إعدامِه بساعة أنَّه لو اضطَرَّ أن يعيشَ في مكانٍ ما .. فوقَ صخرة .. في موضعٍ لا يزيدُ على مؤطئ قدمِه وكانَ عليه أن يبقى عليها واقفاً مدى الحياة، لظلَّ مع ذلك عليها .. فحسبه، أن يعيش!! .. نعم

أين قرأتُ هذا ؟! ما أصدقَ هذا الكلام ! رباه .. ما أصدقَه .. !!

“ولما أصبحتُ وحيداً، تنحَّيتُ لأدَعَ للحياةِ مجالاً للمرور .. وبادلتُ أحزاني تحيَّةً صامتة”

هل ذكرتُ لكم أنني أصبحتُ لا أستطيعُ سدَّ حاجاتي .. وقد أشعرني هذا الإدراكُ بالخزي .. فأنا أملُ أمي الوحيد ..

شحَّتْ مواردي وتكرتُ الجامعة لأنني شعرت بالسُّخط .. لقد رفضتُ أن أدرس .. رفضتُ أن أعمَلَ ورفضتُ أن أكلّ .. ولَبِدتُ في ركني كما يَلْبِدُ عنكبوت .. كنتُ أؤثرُ أن أبقى راقداً أفكرُ وأتأمل .. كنت لا أزيدُ على أن أفكرَ وأسترسلَ في الأحلام ..

لأشَدُّ ماكنتُ أكره حياتي ! ومع ذلك كنتُ لا أريدُ أن أدَعَها عن عَمْد إنما كنت لا أريدُ أن أتركَ حياتي .. لقد ظللتُ أعذِّبُ نفسي .. والسبب هو أنني مريضٌ جداً .. لقد مزَّقتُ نفسي وصرتُ أنا نفسي لا أعرفُ ماذا أفعل .. أنا متعبٌ جدا لقد تمزَّقتُ بغيرِ انقطاع .. لماذا أقحمتُ نفسي في هذا ؟ آهٍ ما أكثرَ الألمَ الذي سَقَطَ علي يارب ! لا شَكَّ أن الحياةَ تعبث بي! انظروا كيفَ تمزقت .. إن فقري تقدمٌ كبيرٌ في هذا الزمان! ..ومن يدري ؟ لعلَّني أُهَبُ بفقري حياةً طيبةً لغيري ..

أريدُ أن أقولَ لكم أنني سَرَقت .. ثم قَتَلت .. لقد قتلت عجوزاً وأختها .. إنها حقاً لفكرةٌ سخيفةٌ مُضحكةٌ تلك التي اعتكفتُ عليها .. كان ينبغي عليَّ أن أفعل شيئاً بأقصى سُرعةٍ مُمْكنة، بلْ وكَانَ ينبغي عليَّ أنْ أفعَلَ شيئا على الفور .. فَسَرَقت !! ما الذي تظنونه فيّ ؟ إنني لا أريدُ هذا الألم .. لا أريدُه .. إنني أرفضه ! يا لِهذهِ الحياةِ الماكرة .. لقد بدا لي أنني إذا سَرقت فقد أُنْقِذُ نفسي .. لقد أحسستُ أنَّ الحياةَ لا تُوهَبُ الا لمن يجرؤ أن يطأطئ لها ليتناولها ..

حين رأيتُ بطلانَ العالم .. قَتَلْتْ .. ذلك هو السببُ الذي جعلني أقتل .. لقد فكرتُ أنه ما مِنْ أحَدٍ يَجْرُؤُ على أن يُمسِكَ الشيطانُ من ذَيلِه فيرسلَه إلى جهنم ! .. نعم قَتَلت .. أنا نفسي أعلم أنَّ الشيطانَ هُوَ الذي كان يجُرُّني .. لكن عقلي هو الذي كان يقودني .. وذلكم كله هو بعينهِ من ضيَّعَنِي ..

إنّني لا أفهمُ شيئاً .. لا أفهمُ شيئاً أبدا !! .. لقد ابتعدتُ عنِ الله .. فضرَبَني اللهُ وأسلَمَني للشيطان ..إنَّني سوفَ أقضي حياتي كالعنكبوتِ أصْطَادُ غيري وأمتصُّ قُواه ! إنَّ إبليسَ قد جَرَّني في أولِ الأمر .. ثم لم يُفهمني ما اقترفتُهُ إلا بعدما فعلتُه .. لقد استهزأَ بي .. سَخِرَ مني ثم تَرَكَني .. لهذا السببُ جِئتُكم الآن .. فأحسنوا وِفَادَتي !! سأسْجُدُ وأُقَبِّلُ الأرضَ التي دَنَّسَتْها خطيئتي .. سأتَّجِهُ لِجهاتِ العالَمِ الأربعِ ثُمَّ سأصْرُخ .. إنَّني تقبَّلتُ الألم .. وسأفْدِي بنفسي لأُكَفِّرَ عن خطيئتي ..

إنَّ الدَّمَ يظهر .. سَأَفْقَأُ الدَّمَلَ وأمْضِي لأتعرَّف .. ذاكَ أنفع ! أأنا نبي ؟ ما أدرَاني لعلَّ اللهَ يُجَرِّبُنِي بهذا .. نعم .. “ابحثْ تَجِد” ولن تكونَ القيودُ أبَدِيَّةً ! سأرتفعُ بقلبي وأرتقي بعواطفي .. ولن أكونَ صغيرا جبانا ً .. هل يأسفُ على حياةِ الدَّعَةِ إنسانٌ لهُ قلب ؟ الألمُ شيءٌ حَسَنٌ هو أيضاً .. فعلينا بالألم .. سأتألَّم!

سَأشي بنفسي .. أأكونُ شمساً لِيراني الجميع .. ليسَ على الشمسِ إلا أن تُوجد .. أن تكونَ عينَ ذاتها ! أن تكون هي نفسَها ! لا تُشفقوا علي .. رُغمَ هيئتي المظلمةِ الحالكة، لا تشفقوا علي .. كما تُشفقُ إمرأةٌ على إنسانٍ ضائع! كما يمتلئُ قلبُ فتاةٍ بريئةٍ بالشفَقَة!! ..إنَّ في الألمِ فكرةً عظيمة .. يُخَيَّلُ إليَّ أنَّ كُلَّ رِجالِ العَالَمِ لابدَّ أن يَشعروا على هذه الأرض بألمٍ عظيم ..

ما أشقاني إذ بعتُ نفسي !

مستوحى من رواية الجريمة والعقاب

إلقاء: منار الهلالي ، تويتر: @tashabuk99

نص: أريج السعد 

مراجعة لغوية: صالح ، تويتر: @salleeh121

معالجة صوتية: سارة الحمد

بودكاست وقت على تويتر وانستجرام: @podcastwaqt

شاركنا رأيك

المزيد

آخر المنشورات

بودكاست وقتالحلقة 5