ابحث هنا

الجزء الثالث: علي بن مقرب العيوني

-(١١)-
لـ “ابوعلي محمد” المؤسس الثاني للدولة العيوني ثلاث ابناء، و بعد مقتله عزم اكبر أبنائه “الفضل بن محمد” أن يعد للأمر عدته و أن لا يجعلها هانئه لقاتل ابيه الذي حكم القطيف، فعزم ع فعل شئ ما حتى لا يفلت القتله من العقاب، وكاتب الخليفة العباسي “الناصر لدين الله” ببغداد طالبا العون منه لاستعاده ملك أبيه.و طلب الأمير “الفضل بن محمد” من ابن مقرب ان يتوجه الى العراق في مهمته السياسية للبلاط العباسي و أن يأتي به بالعون من الخلفيه، و لأن ولاء ابن مقرب ما زال لفرع ال فضل فقد وافق ع ذلك  و توجه ابن مقرب الى العراق و وقف امام الخلفية بالبلاط العباسي و انشد امامه قصائد كثيرة امتدحه فيها
يقولون لي: هلاَّ امتدحتَ معاشِراً

لــهُم أوجُــهُ غُــرٌ و أيــدٍ مـوانِــــحُ

..

فقُلتُ: و قد فاضت مِن العين عبرتي

ذروني فلي طرفٌ عنِ الناسُِ طامِحُ

..

فــلولا أمــيرُ المؤمنين و ذِكرُهُ

لما قطعت البيدَ هُوجٌ مشائِحُ

..

ولا خُضتُ أمواج البِحارِ كأنها

جِبالٌ ترامى بي جنوبٌ و بارِحُ

..

إني إن أســديتُ مدحــاً لغيرهِ

جَديرٌ بأن تنسدَّ عني المناجِحُ

..

هو الناصرُ بن المُستضيءِ وقِدحُهُ

المُعلى وما في عُودِهِ الصُّلبِ قادِحُ

..

ســميُّ المــصـــطفى و ابـنُ عــمــهِ

و أكرمُ مَن ضَمت “مُنى” و الأباطِحُ

..

خليفةُ صِدقٍ من سلالةِ معشرٍ

نجا بِهم نوحٌ و هودٌ و صالِحُ

..

تُرى زُمرُ الأملاكِ وسطَ بُيوتِهُم

تحييهُمُ حِيناً و حيناً تُصافِحُ

..

و مهبطُ وحيِ اللهِ فِيهم ورُسلُهُ

غوادٌ عليهم ما بقُوا و روائِحُ

..
-(١٢)-
نجح ابن مقرب في انجاز سفارته للأمير الفضل بن محمد، و أثناء طريق عودته من العراق الى القطيف علم بخير مقتل ابن عم له ع يد رجل من الحريش و كان هذا المقتول صاحب قريب منه جدا.كان هذا الخبر بمثابة الصدمه التي لم تغب عن عواطفه و أحاسيسه، لدرجة أن أثر تلك الصدمة فاق عنده في الأهميه ما نجح و وفق فيه في سفارته لصالح الأمير الفضل بالعراق، بكى ابن مقرب ع هذا الخبر الذي احزنه و أشعل ما في قلبه من أسى و هم، و عندها لام صاحب ابن مقرب في الرحله ابن مقرب ع بكائه هذا، فرد عليه ابن مقرب بقصيدة عاتبه فيها و شدد عليه العتاب ثم طلب منه ان لا يبقى معه و ليفارقه، لأن هذاالصديق لا يشاطر ابن مقرب أحواله و تباريحه، و لا يشعر بما أعتلاه من هم و أسى ع ما صابه و اصاب عشيرته من قتل وسفك دماء، رد عليه ابن مقرب انه لو كان يمتلك عمر نوح عليه السلام و لقمان ما كفاه هذا الدمع و البكاء بحزنه و أساه. و بيّن له أن ما حدث له يغم الصديق و يفرح العدو و أن ما اصاب قومه في دمائهم ليس من سيف خصومهم و إنما بأسيافهم هم أنفسم ذاقوا القتل. تنهد ابن مقرب الصعداء ثم خاطب صديقه:

أظنكَ خِلتَ الشوقَ و النأي أبكاني

فأقبلتَ نحويَ يابسَ الدمعِ تلحاني

..

فقم فالتمِس خِلاً سوايَ فما أرى

صحابةَ من لم يتبع شأنُهُ شانِي

..

كأنكَ ما شاهدتَ ما قد أصابني

به الدهرُ من صيابِ قومي و إخواني

..

رُزئتُ ملوكاً لو بكيتُ لفقدِهِم

دماً ما كفاني عُمرُ “نوحٍ” و “لُقمانِ”

..

بهم كُنتُ أرمي من رماني و أتقي

بِهم نائباتِ الدهرِ من حيثُ تلقاني
بأسيافهم ذاقوا الردى و تجرعوا

حسا الموتِ لا أسيافِ “قيسٍ” و “غيلانِ”
ليس عقوقاً منهُمُ بل تعالياً

إلى خيرِ غاياتٍ و أشرفِ بنيانِ
لعمري لقد سُرَّ العدو و أظهرت

دفاناتُ أحقادٍ سترنَ و أضغانِ
ومُدت عضاريط الرجالِ أكُفها

لِتلمسَ عِزاً بعدَ ذلٍّ و إذعَانِ
و أطمعَ فينا فقدُهُم كُلِّ مسبعٍ

وشاويِّ أغنامٍ و عامِلِ فَدَّان
فياَ “بارِدَ الأنفاسِ” دعني فإنهُ

قَلِيلٌ لَّهُم مِن معشرٍ فيضُ أجفانِ
فَلَو جاءكَ النَّاعي بما جَاءَنِي بِهِ

لما عِشت إلا لابِساً ثَوبَ أَكفَانِ
لطابَ لديكَ النوحُ و استُسمِحَ العزَا

و أصبحتَ في شَأنِ البُكا بعضَ أعواني

.

أتلحى على فيضِ الدموعِ وقد ثوى

أخِي و شقيقي و ابن عمي وخِلاني
أَمِن بِعدِ مذكُورٍ أصونُ مدَامعاً

تَقِلُّ لهُ لو أنها من دمٍ قانِ

.

أَلاَ عُميتْ عَينُ امرئٍ لم تَجُد لهُ

بِدَمْعٍ و أضحى رَبُّها رَبَّ عِميَانِ

.
-(١٣)-
و بعد أن عاد ابن مقرب و استقر في القطيف و استرد الأمير الفضل ملك أبيه بسبب سفارة ابن مقرب الناجحه، امتدحه ابن مقرب في قصيده عصماء، توسم في حكمه خيرا و طلب منه ان يوفي بوعده و ان يصمد امام الخطوب و المحن و يجعل هدفه العلياء لتحقيق البطولات، و أن يسيطر ع البلاد و يعيد أمجادها إليها، و بعدها ربما طمح ابن مقرب ان يعيد إليه عقاره و أمواله المصادره منه في الأحساء

.

أبت لكَ العِزةُ القسعاءُ و الكرمُ

أن تقبل الضيمَ أو ترضى بما يصِمُ

..

و طالبتك العُلى إنجاز ما وعَدت

فِيكَ المخائِلُ طِفلاً قبل تحتلِمُ

..

و أقبلت نحوكَ الأيامُ مُذعِنةً

طوعاً لِأمرِكَ و انقادت لك الأُممُ

.

فانهض و سِر و افتح الدُنيا فقد ضمِنت

لكَ المهابةُ ما تهوى و تحتكِمُ

..

فالبيضُ ماضيةٌ و السُمرُ قاضيةٌ

و الخيلُ خائِضةٌ أطرافُها زَلَمُ

..

و لكن انخدع ابن مقرب في الأمير الفضل فلم يكن كما آمله فيه ملكاً يحاول ان يعيد مجد او يحقق بطولات، فبعد فتره رأى ابن مقرب ان البلاد قد تدهورت اوضاعها أكثر فأكثر،  ولكنه و مع ذلك عزم ان يقف معه و يحاول ان يشد من عزيمته ويشجعه بقصائد المديح الكثيرة التي انشدها فيه وقد ظل على ولائه له مع مرور الزمان دون ان يحيد عن ذلك قيد انمله، و بمعنى انه قد ظل امينا مع نفسه و مع من أحب يمجده و يضفي عليه احسن و افضل الصفات ويحاول بفكره و شعره ان يلم الشمل و يؤلف بين الأقارب ما استطاع الى ذلك سبيلا
قسماً بأعراف الجيادِ الضمرِ

و بِما أثرن مِن العجاجِ الأكدرِ

..

و بِما حملن إلى الوغى من ماجِدٍ

طلق المحيا ذي جبينٍ أزهرِ

..

و بِكلُ أبيضَ صارِمٍ و مُفاضةٍ

كالنهي سابِغةٍ و عالٍ أسمرِ

..

لو قيل من في الأرضِ أعلى هِمةً

و أعز نافِلةٍ و أشرفُ معشرِ؟

..

ما قيل إلا ذاكَ “فضلٌ” فِي العُلى

حامي حِمى الأباءِ سامي المَفخرِ

..
-(١٤)-
تحت تأثير مشاعر الألم و الحسرة التي ألمت ب أبن مقرب عندما رأى ببعد نظره ما آلت و ستؤول إليه الأوضاع فالبلاد، فعاد مراراً ليذكر الفضل من جديد بأبيه الهمام ابو علي محمد المؤسس الثاني للدولة.
صِلوا حِبالَكُم بحبلِ محمدٍ

نجل المُعظمِ “عبدلِ ابنِ سِنانِ”

..

تجِدون ميمونَ النقيبةِ ماجِداً

مُتساويَ الإسرارِ و الإعلانِ

..
أخذ ابن مقرب يتأمل الأحوال المحيطه به و ناشد الأمير الفضل أن يكون يقظاً حازِماً، و لكنه لم يحض منه بطائل ولا عرف الفضل حق ابن مقرب عليه. فتغافل عنه ولم يعطي الفضل ابن مقرب من قدره الا مقدار حقير و حتى انه لم يسلم له الا جزء يسير من أمواله و إن كان لغيره جم و غفير العطايا. ومع ذلك ظل ابن مقرب يناشده ان يتيقظ …
إيهاً عماد الدين يقظةُ ماجِدٍ

فذوو مكارِمِها وذو يَقظاتِها

..

أو ما ترى الرحِم المُضِيمةِ تشتكي

قد ضاقتِ الأحشاءُ عن زفراتِها

..

و الماجِدُ الأحسابِ برٌ ماجِدٌ

و اللؤمِ في أجلافِها و جُفاتِها

..

و أُعيذُ مجدكَ أن يقولوا باخِلٌ

و أبوكَ مُحيي بالياتِ رُفاتِها

..
و لكن ذهب ما حبره ابن مقرب سدى و ذهبت كل مضامينها ادراج الرياح ، فغضب ابن مقرب من تجاهله له و تغافله فأنشد قصيدة هدده بها ان هذه الوقف ستكون اخر وقفه معه فأحوال حكمه ظلت في تردٍ واضح
سفهاً لرأيكَ إن سُررت بروضةٍ

لِمزنمِ العِدانِ غَض نباتِها

..

أوليس جهلاٍ أن تُسيمَ بمرتعٍ

أكلت بِهِ المِعزى لحُومِ رُعاتِها

..

أعربتُ حين دعوتُ إلا أنهُ

لا يَبلُغُ الأمواتَ صوتُ دُعاتِها

..

بمعنى ناديت وصرخت و لو أسمعت لناديتُ حياً ولكن لا حياة لمن تنادي فأنت كالميت سواء بسواء لا تجيب داعياً..
.

فَذرِ التغافُلُ فالتغافلُ كُلِّهُ

لُؤمٌ و كُلُّ الجُودِ في هَباتِهَا

.

هنا يحذره، و يقول له اني لا أقف معك بعد الْيَوْمَ فان بلغتني مرتبتي التي هي من حقي فذلك هو المراد وان تغافلت لم اراجعك بعد هذا
و اعلمْ، بأن الْيَوْمَ آخرُ وَقفةٍ

والنفسُ تائِقَةٌ إلى مَرقَاتِها

..

فاختر لنفسك مايُقالُ ضُحى غدٍ

إذ تُطلَبُ الأخبارُ عِند رُواتها

.

يقول لولا مابيننا من القرابه وحميتي عليكم لبلغت ديار اليمن ووفدت على ملوكها فامتدحتها وجعلت مدحي لهم دونكم فيكون هذا نقصاً عليكم

.

لولا أواصِرُنا وبعدُ حَميتي

لتعرفتني “حِميَرٌ” بسراتِها

..

و أقولُ: إن الأُسدَ إن هي أُحرِجَت

خَرَجْت إلى الأصحَارِ من غاباتِها

.

في هذا البيت ابن مقرب يقصد نفسه

و أقولُ: إن الأُسدَ إن هي أُحرِجَت

خَرَجْت إلى الأصحَارِ من غاباتِها

.

و الغُبنُ يُوطي الحُر كُلَّ عَظيمةٍ

ويُفتشُ الحُلماءُ عن إحنَاتِها

.
-(١٥)-
ابن مقرب شاعر شجاع و صاحب مزاج حاد بعد ان اشتد الغضب و الأسى عليه من استمرار تجافي الفضل له فجر القنبلة و أنشد قصيدة وبخه بها، ولامه ع جفائه وقطعيته لرحمه وضرب له من كل الأمثال الموجعة

.

تَجافَ عن العُتبى فَمَا الذنبُ وَاحِدُ

وهب لِصروفِ الدهرِ ما أنتَ وَاجِدُ

..

إذا خانَكَ الأدنى الذي أنت حِزبُهُ

فلا عجباً إن سَالمتكَ الأباعِدُ

.

ولا تشكُ أحداث الليالي الى امرئ

فذا النَّاسِ إما حاسِدٌ او مُعاندُ

..

إذا خانَكَ الأدنى الذي أنت حِزبُهُ

فلا عجباً إن سَالمتكَ الأباعِدُ

.

ولا تشكُ أحداث الليالي الى امرئ

فذا النَّاسِ إما حاسِدٌ او مُعاندُ

..

و إن وطنٌ ساءتكَ أخلاقُ أهلهِ

فدعهُ فما يُغضِي على النقصِ ماجدُ

.

فما “هجرٌ” أمٌ غذَتكَ لِبانُها

ولا “الخَطُّ” إذ فارقتَها لَكَ والِدُ

..

وقل لليالي كيفما شئتِ فاصنعي

فإن على الأقدارِ تأتي المكائِدُ

.

ولا ترهب الخَطبَ الجليلَ لِهولهِ

فطعمُ المنايا كيفما ذُقتَ واحِدُ

..

وأخيرا ندم ابن مقرب ع انه امتدحه في قصائده السابقه و ياليت لو ان ضمته الملاحد قبل ان يسمع قصائده التي امتدحه بها ينشدها الناس.
نَدِمتُ على مدحي رِجالاً وسرني

بأنَ ضَمنتني قبل ذاك الملاحِدُ

.

وحُقٌ لمثلي أن يَمُوتَ ندَامةً

إذا أُنشِدَت في النَّاسِ تلك القصائِدُ

..

قال ابن مقرب ما قاله ثم رحل عن بلاده

شاركنا رأيك

اقرأ أكثر:

هل القصة شخصيات، أم أحداث؟

الكثير من كتّاب القصص والقرّاء -على حدٍ سواء- يصبون اهتمامهم على أحداث القصة، بينما العنصر الذي يتملّكهم ويجذبهم في الحقيقة هو الشخصيات، وصراعهم داخل...

الحضارة والرمز الأولي

كثيرًا ما يرد لنا مفهوم «الحضارة» فما هي الحضارة؟ وما  أطوارها؟ وكيف تقوم وتنمو وتتدهور؟وما أثر الشعوب عليها؟ نهدف في هذه المقالة إلى الإجابة...

مدرسة فرانكفورت ونقد الواقع

تلخيص كتاب صناعة الواقع (الإعلام وضبط المجتمع) لمحمد علي فرح – الفصل الثالث والرابع إننا كما نعرف أنّه هناك أشياء نعرف أنَّنا نعرفها، وهناك...

ما القيمة من الكتابة؟

توجد لدينا فكرتان متعلقتان بالكتابة تعلمناها ونحن صغار، ولكن هاتين الفكرتين أثرت علينا سلبيًا كبالغين عندما نقرر كتابة أي نص، علميًا كان أم أدبيًا...

آخر المنشورات